الخميس 24 جمادى الأولى 1448 هـ - الموافق 5 نوفمبر 2026م

تابع … دفين الملائكة ( عامر بن فهيرة ) .. 2

وتروي السيرة أن جمعاً من الصحابة المهاجرين أصيبوا بالحمى عقب الهجرة ، بسبب الوباء الذي كان في المدينة ، واشتدت عليهم الحمى ، كما اشتد بهم الحنين إلى موطنهم الأول مكة ، ومن هؤلاء أبو بكر وبلال وعامر بن فهيرة ،وتروي السيدة الصديقة بنت الصديق عائشة رضي الله عنها أنها سألت عامراً وهو محموم فقالت : كيف تجدك ياعامر ؟

فأجابها وهو يعاني ما يعاني من أوجاع الحمى :

لقد وجدت الموت قبل ذوقه        إن الجبان حتفه من فوقه

كل امرئ مجاهد بطوقه كالثور يحمي جلده بروقه

ولما أخبرت عائشة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بهذا قال : ” اللهم حبب إلينا المدينة كما حببت إلينا مكة وأشد ” .

وكذلك كان ، ولله في خلقه  شئون .

وآخى الرسول بين عامر والحارث بن الصمة المجاهد الشهيد الذي نال نعمة الشهادة مع عامر في معركة واحدة وفي يوم واحد .

وشهد عامر غزوة بدر ، وأبلى فيها بلاء حسنا، وشهد غزوة أحد ، واحتمل فيها احتمالاً مشكوراً ، وفي شهر صفر من السنة  الرابعة للهجرة بعث رسول الله – صلى الله عليه وسلم – سرية فدائية إلى مكان يسمى ” بئر معونة ” وهو يقع بين أرض بني عامر وحرة بني سليم .

وكانت السرية مكونة من عشرات  من المجاهدين ، قيل إنهم كانوا سبعين ، وكان هؤلاء من المشهورين بالعبادة وتلاوة القرآن الكريم ، حتى كان يقال عنهم : ” القراء ” حيث إنهم كانوا يجتمعون ليلاً على الصلاة وقراءة القرآن المجيد ، وفي النهاركانوا يعملون ويحتطبون ، وكان من بينهم بطلنا عامر بن فهيرة ، وفي السيرة حدث عنهم من يعرف بهم وبأحوالهم فقال : 

الَّذِينَ كُنَّا نُسَمِّيهِمْ ، عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - الْقُرَّاءَ ، وأَنَّهُم كَانُوا سَبْعِينَ ، فَكَانُوا إِذَا جَنَّهُمُ اللَّيْلُ ، انْطَلَقُوا إِلَى مُعَلِّمٍ لَهُمْ بِالْمَدِينَةِ ، فَيَدْرُسُونَ اللَّيْلَ حَتَّى يُصْبِحُوا ، فَإِذَا أَصْبَحُوا ، فَمَنْ كَانَتْ لَهُ قُوَّةٌ ، اسْتَعْذَبَ مِنَ الْمَاءِ ، وَأَصَابَ مِنَ الْحَطَبِ ، وَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ سَعَةٌ ، اجْتَمَعُوا فَاشْتَرَوُا الشَّاةَ وَأَصْلَحُوهَا ، فَيُصْبِحُ ذَلِكَ مُعَلَّقًا بِحُجَرِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -

وشاء الله تعالى أن يذوق هؤلاء المجاهدون ابتلاء شديداً ، وأن ينالوا شهادة مجيدة في سبيل الله عزوجل ، إذ خرجت عليهم جموع من أحياء رعل وذكوان وعصية ، واعملوا فيهم القتل بخيانة وغدر . ولما رأى المجاهدون أن مصيرهم القتل ،قال قائلهم :اللهم إنا لا نجد من يبلغ عنا رسولك السلام غيرك،فأقرئه منا السلام، اللهم بلغ عنا نبيك أنا قد لقيناك فرضينا عنك ، ورضيت عنا “ش

واستجاب الله تعالى للدعاء ، فأبلغ رسوله – صلى الله عليه وسلم – مصير هؤلاء ، فجمع النبي الصحابة ، وأخبرهم الخبر ، ثم قال : ” فأنا رسولهم من الله إليكم ، إنهم قد رضوا عن الله ، ورضي الله عنهم ” .

وكان ممن ذاق طعم الشهادة يومئذ المجاهد البطل عامر بن فهيرة ، طعنه رجل يسمى جبار بن سلمى الكلابي ، فقال عامر حينما أصابته الضربة القاتلة : الله أكبر ، فزت ورب الكعبة . وفي رواية ثانية : أنه َأَتَى رَجُلٌ حَرَامًا ، خَالَ أَنَسٍ ، مِنْ خَلْفِهِ ، فَطَعَنَهُ بِرُمْحٍ حَتَّى أَنْفَذَهُ ، فَقَالَ حَرَامٌ : فُزْتُ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ،

واسمتع جبار القاتل إلى العبارة التي رددها عامر الشهيد ، فلم يفهم معناها . لماذا قال : الله أكبر ؟ وأين يفوز الذي فاز به ؟ ألم يذق الموت ويترك الحياة إلى التراب ؟ .

وذهب الرجل يسأل ، فقيل له إن عامراً يقصد بقوله هذا أن الله قد أكرمه حينما رزقه نعمى الشهادة في سبيله ، وأنه سبفوز بنعيم الجنة في الدار الآخرة .

وانبهر ” جبار ” من هذا اليقين الغامر ، وهذا الإيمان السابغ ، وأخذ يفكر ويفكر ، وكأن عامراً أطل عليه  من عليائه من عالم الخلود ، وأشار إليه ناصحا نصيحة صاغها الموقف الرباني الذي نبض بيقين متوهج:

ياجبار ، أقلع عن كفرك وعنادك . إن الباب لا زال مفتوحا أمامك ، فادخل في دين الله تبارك وتعالى تكن من الفائزين .

وشرح الله صدر ” جبار ” للإسلام ، فاهتدى وأعلن إسلامه ، وقال فيما قال عن سبب هذا الإسلام : إن مما دعاني إلى الإسلام أني طعنت رجلاً منهم يومئذ بالرمح بين كتفيه ، فنظرت إلى سنان الرمح حين خرج من صدره ، فسمعته يقول : الله أكبر ، فزت ورب الكعبة ، فقلت في نفسي : مافاز ؟ ألست قد قتلت الرجل ؟! حتى سألت بعد ذلك عن قوله فقالوا : إنه يعني الشهادة ، فانشرح صدري للإسلام وقلت : صدق والله ، فاز والله !.   

ثمة تتمة …..

شارك المحتوى

تابعنا على Facebook

تابع أحدث أخبار ومقالات فضيلة الشيخ عبد الكريم تتان

#الخشية من الله ثمرة العلم الناضجة- يقول الإمام ابن القيّم - رحمه الله - :- ‏ " طلب العلم من أفضل الحسنات " - قد رُوي عن عُمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: إنَّ الرجل لَيَخْرُج مِنْ منْزله وعليه من الذنوب مثل جبال تِهامة ، فإذا سمع العلم ، خاف ورجع وتاب ، فانصرف إلى منْزله وليس عليه ذنبٌ ، فلا تفارقوا مجالسَ العلماء - مفتاح دار السعادة 77/1 ...
View on Facebook (opens in a new tab)
#تحديد العلة قبل المعالجة!* أنحنُ في زمن حذّر مما يقع فيه المبعوثُ رحمة للعالمين ؟ ! - أهناك منا من تطابق حاله النفسي ، والسلوكي ، مع أعداء الله ، وهو يظن أنه من الأولياء الخُلص ! - ألا يجدر بالعاقل أن يفتش- دائما- في نفسه عن السلبيات التي حذر منها الناصح الأمين ! - قال عَنْ سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - :" اللَّهُمَّ لَا يُدْرِكنِي زَمَانٌ ، وَلَا أُدْرِكُهُ ، لَا يُتَّبَعُ فِيهِ الْعَالِمُ ، وَلَا يُسْتَحْيَى فِيهِ مِنَ الْحَلِيمِ ، قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الْعَجَمِ ، وَأَلْسِنَتُهُمْ أَلْسِنَةُ الْعَرَبِ" تذكير بالعمرية السامقة! - شاهت وجوه أغاروا بشقائهم على أنقى الناس بعد النبوة ، وأعملوا ألسنتهم الحداد في أعراض طاهرة ! - تهتاج أحقاد هؤلاء في مناسبات صنعوها ، يستحضرون فيها معبود أجدادهم " النار " فتلفح أكبادهم لفحا ، به تزرب أفواههم بقيح ، وصديد !- في الجزء الأول من ديوان الشاعر العملاق حافظ إبراهيم - رحمه الله تعالى - قصيدته " العمرية " بلغت أبياتها مئة وثمانبة وثمانين بيتا ، كلها في الخليفة الراشد عمر أبو حفص - رضي الله عنه – رصد فيها ما أمكنه من محاسن رجل خدم بأمانة ، وهمة شماء دين الأمة الإسلام ، وقام بأعظم الأعمال، وحطم الله على يديه ، في زمن خلافته ، دولة الطغيان التي استعبدت ناسها ، وربتهم على عبادة النار ، فاحرق الله وجوه من أساء للفاروق من هؤلاء الذين حررهم الله أسلافهم من عبادة مخلوق ، ودعاهم إلى عبادة الله وحده ! - ومما جاء فيها قوله في ابن الخطاب أحد وزيري المختار :فمن يباري أبا حفص وسيرتَهُ * أو مَنْ يُحاول للفاروق تشبيها ...
View on Facebook (opens in a new tab)
#ضخ السام من قنوات لئام* رصد لما يضخ " فينا " كل لحظة عبر كثير من القنوات ، وجولة سريعة معها في مناقعها ، للمراجعة الواعية! - قناة تصور غارقا في الغرام ، مختنقا بالأحلام ، قد اكتنفته شهوات الدنيا من كل جانب! - وقناة تقطر شاشتها من دماء الأبرياء ، وتتناثر على حوافها أشلاء لطفل ، وعجوز ، وامرأة ! - وقناة تهندم من غطى شاشتها يعمل معوله في كتب التراث تهشيما فيها ، وتشكيكا في نجاعة عطائها ، يسعى مثل " أفعى كُبرى " لفصل الجيل عن مصادر الأمة ، وهويتها عبر القرون ، ويضع لافتة كتب عليها " تنقيح التراث " ولو قال " تقبيحه " لأشوى! - وقناة يتصدر فيها على أنه " محلل " من يسعى إلى تفتيت الأمة ، وتزوير حقائق الواقع ، ينصر الباطل ، ويهشم الحق ! - ولا نعدم قناة جادة ، تسعى إلى البناء ، والترميم ، والإسعاف ، والتسديد ، تحاول أن تمسح الكآبة التي تلخلق من كثير من مشاهد الحياة! ...
View on Facebook (opens in a new tab)
#شهود تعلق القدرة الحادث -للقدرة تعلقان : تعلق صلوحي قديم ، وتعلق تنجيزي حادث ، وأصحاب القلوب الصافية المفعمة بالإيمان تظل مشرئبة إلى شهود العطاء الرباني ! بملاحظة التعلق الحادث- عَنْ أَنَسٍ قَالَ: أَصَابَنَا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَطَرٌ، فَحَسَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَوْبَهُ عَنْهُ حَتَّى أَصَابَهُ الْمَطَرُ، قُلْنَا: لِمَ فَعَلْتَ؟ قَالَ: " لِأَنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّهِ " - الحديث صحيح ...
View on Facebook (opens in a new tab)
#تتابع الأعياد على مر الزمان - قال الحسن: كل يوم لا تعصي الله فهو لك عيد- يوم تسمع من الملك : فلان بن فلان سعد - يوم تجوز عن الصراط ، وتزحزح عن النار - يوم تسمع : يا أهل الجنة خلود ...
View on Facebook (opens in a new tab)