الأحد 7 ربيع الآخر 1448 هـ - الموافق 20 سبتمبر 2026م

تابع … دفين الملائكة ( عامر بن فهيرة ) .. 2

وتروي السيرة أن جمعاً من الصحابة المهاجرين أصيبوا بالحمى عقب الهجرة ، بسبب الوباء الذي كان في المدينة ، واشتدت عليهم الحمى ، كما اشتد بهم الحنين إلى موطنهم الأول مكة ، ومن هؤلاء أبو بكر وبلال وعامر بن فهيرة ،وتروي السيدة الصديقة بنت الصديق عائشة رضي الله عنها أنها سألت عامراً وهو محموم فقالت : كيف تجدك ياعامر ؟

فأجابها وهو يعاني ما يعاني من أوجاع الحمى :

لقد وجدت الموت قبل ذوقه        إن الجبان حتفه من فوقه

كل امرئ مجاهد بطوقه كالثور يحمي جلده بروقه

ولما أخبرت عائشة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بهذا قال : ” اللهم حبب إلينا المدينة كما حببت إلينا مكة وأشد ” .

وكذلك كان ، ولله في خلقه  شئون .

وآخى الرسول بين عامر والحارث بن الصمة المجاهد الشهيد الذي نال نعمة الشهادة مع عامر في معركة واحدة وفي يوم واحد .

وشهد عامر غزوة بدر ، وأبلى فيها بلاء حسنا، وشهد غزوة أحد ، واحتمل فيها احتمالاً مشكوراً ، وفي شهر صفر من السنة  الرابعة للهجرة بعث رسول الله – صلى الله عليه وسلم – سرية فدائية إلى مكان يسمى ” بئر معونة ” وهو يقع بين أرض بني عامر وحرة بني سليم .

وكانت السرية مكونة من عشرات  من المجاهدين ، قيل إنهم كانوا سبعين ، وكان هؤلاء من المشهورين بالعبادة وتلاوة القرآن الكريم ، حتى كان يقال عنهم : ” القراء ” حيث إنهم كانوا يجتمعون ليلاً على الصلاة وقراءة القرآن المجيد ، وفي النهاركانوا يعملون ويحتطبون ، وكان من بينهم بطلنا عامر بن فهيرة ، وفي السيرة حدث عنهم من يعرف بهم وبأحوالهم فقال : 

الَّذِينَ كُنَّا نُسَمِّيهِمْ ، عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - الْقُرَّاءَ ، وأَنَّهُم كَانُوا سَبْعِينَ ، فَكَانُوا إِذَا جَنَّهُمُ اللَّيْلُ ، انْطَلَقُوا إِلَى مُعَلِّمٍ لَهُمْ بِالْمَدِينَةِ ، فَيَدْرُسُونَ اللَّيْلَ حَتَّى يُصْبِحُوا ، فَإِذَا أَصْبَحُوا ، فَمَنْ كَانَتْ لَهُ قُوَّةٌ ، اسْتَعْذَبَ مِنَ الْمَاءِ ، وَأَصَابَ مِنَ الْحَطَبِ ، وَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ سَعَةٌ ، اجْتَمَعُوا فَاشْتَرَوُا الشَّاةَ وَأَصْلَحُوهَا ، فَيُصْبِحُ ذَلِكَ مُعَلَّقًا بِحُجَرِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -

وشاء الله تعالى أن يذوق هؤلاء المجاهدون ابتلاء شديداً ، وأن ينالوا شهادة مجيدة في سبيل الله عزوجل ، إذ خرجت عليهم جموع من أحياء رعل وذكوان وعصية ، واعملوا فيهم القتل بخيانة وغدر . ولما رأى المجاهدون أن مصيرهم القتل ،قال قائلهم :اللهم إنا لا نجد من يبلغ عنا رسولك السلام غيرك،فأقرئه منا السلام، اللهم بلغ عنا نبيك أنا قد لقيناك فرضينا عنك ، ورضيت عنا “ش

واستجاب الله تعالى للدعاء ، فأبلغ رسوله – صلى الله عليه وسلم – مصير هؤلاء ، فجمع النبي الصحابة ، وأخبرهم الخبر ، ثم قال : ” فأنا رسولهم من الله إليكم ، إنهم قد رضوا عن الله ، ورضي الله عنهم ” .

وكان ممن ذاق طعم الشهادة يومئذ المجاهد البطل عامر بن فهيرة ، طعنه رجل يسمى جبار بن سلمى الكلابي ، فقال عامر حينما أصابته الضربة القاتلة : الله أكبر ، فزت ورب الكعبة . وفي رواية ثانية : أنه َأَتَى رَجُلٌ حَرَامًا ، خَالَ أَنَسٍ ، مِنْ خَلْفِهِ ، فَطَعَنَهُ بِرُمْحٍ حَتَّى أَنْفَذَهُ ، فَقَالَ حَرَامٌ : فُزْتُ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ،

واسمتع جبار القاتل إلى العبارة التي رددها عامر الشهيد ، فلم يفهم معناها . لماذا قال : الله أكبر ؟ وأين يفوز الذي فاز به ؟ ألم يذق الموت ويترك الحياة إلى التراب ؟ .

وذهب الرجل يسأل ، فقيل له إن عامراً يقصد بقوله هذا أن الله قد أكرمه حينما رزقه نعمى الشهادة في سبيله ، وأنه سبفوز بنعيم الجنة في الدار الآخرة .

وانبهر ” جبار ” من هذا اليقين الغامر ، وهذا الإيمان السابغ ، وأخذ يفكر ويفكر ، وكأن عامراً أطل عليه  من عليائه من عالم الخلود ، وأشار إليه ناصحا نصيحة صاغها الموقف الرباني الذي نبض بيقين متوهج:

ياجبار ، أقلع عن كفرك وعنادك . إن الباب لا زال مفتوحا أمامك ، فادخل في دين الله تبارك وتعالى تكن من الفائزين .

وشرح الله صدر ” جبار ” للإسلام ، فاهتدى وأعلن إسلامه ، وقال فيما قال عن سبب هذا الإسلام : إن مما دعاني إلى الإسلام أني طعنت رجلاً منهم يومئذ بالرمح بين كتفيه ، فنظرت إلى سنان الرمح حين خرج من صدره ، فسمعته يقول : الله أكبر ، فزت ورب الكعبة ، فقلت في نفسي : مافاز ؟ ألست قد قتلت الرجل ؟! حتى سألت بعد ذلك عن قوله فقالوا : إنه يعني الشهادة ، فانشرح صدري للإسلام وقلت : صدق والله ، فاز والله !.   

ثمة تتمة …..

شارك المحتوى

تابعنا على Facebook

تابع أحدث أخبار ومقالات فضيلة الشيخ عبد الكريم تتان

#الود الصادق جنة الدنيا* من الحياة الطيبة أن تنسج العلاقة بين الزوجين على " المودة " وتظللها "الرحمة " وتشيع في أرجائها " السكينة "* وهاؤم من خلية التغريد : شهد الأنس ، وطبابة الود ، ونفح القلوب عمرها حبٌ وامق ، وذاب فيها الاثنان ، فكان كلٌ للآخر لباساً ، وسرت بينهما حلاوة الهمس تغذي أنبل العواطف ، وتحقق أنبل مسار في حياة الأسرة * على منبر هذه الأسرة تغرد الزوجة في سمع الزوج ، فتفصح عن رؤيتها إياه بعين قلبها:إِنـــي أَرَاكَ بِعيــــن قلبـي جَنـــةً يَـامَن بـك مُـر الحَيـــاةِ يَطِيــــبْوأَرَى الْحَياة بِدُون وَصْلُك مــرةًوَأَرَى جــروحِي مَالهُـــنَّ طَبِيـبوَأَرى الطَّبِيبَ إِذا جـروحِي أُلْهِبَتيُمْناك يــا نِعـمَ المُنَــــى لِغــــرِيبْوَأرَى الغــروبَ إِذا التَقينـا مُتْعـةً وَأَرَى الشروقُ لَدَى الفِـراقِ غـروبْ! ...
View on Facebook (opens in a new tab)
#باقة من حديقة سيرة الصديق* المعادي للصديق أشرُّ أعداء الإسلام* سطر من سيرة الصديق يفضح زيف أعدائه ، فكيف بصفحة!* هو الصاحب في رحلة الهجرة* هو الإمام في حياة الرسول وبأمره عليه الصلاة والسلام* هو قامع المرتدين الذين اجتمعوا ليهدموا الإسلام* هو الآمر بجمع القرآن الكريم وكان مفرقاً لطبيعة نزوله منجماً في الصحف وصدور الصحابة ، فوصلنا عبر القرون كما تلقاه الرسول عليه الصلاة والسلام من جبريل* هو الذي أنفق ماله على الدعوة بشهادة الرسول عليه الصلاة والسلام* هو الذي شارك في المشاهد كلها في حياة الرسول* هو الذي علق من لا ينطق عن الهوى على صدره وسام " الصديق" ...
View on Facebook (opens in a new tab)
#منزلة الصديق من الرسول* فقأ الله عيناً لا ترى ، وخرق سمعاً يجحد ما قاله -عليه الصلاة والسلام- من على المنبر يشيد وهو يودع الأمة بما للصديق من منزلة في الإسلام* عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، عَاصِبًا رَأْسَهُ بِخِرْقَةٍ، فَقَعَدَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: * إِنَّهُ لَيْسَ مِنَ النَّاسِ أَحَدٌ أَمَنَّ عَلِيَّ بِمَالِهِ وَنَفْسِهِ مِنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي قُحَافَةَ، * وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنَ النَّاسِ خَلِيلا لاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلا، وَلَكِنْ خِلَّةُ الإِسْلامِ، * سُدُّوا عَنِّي كُلَّ خَوْخَةٍ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ غَيْرَ خَوْخَةِ أَبِي بَكْرٍ . ...
View on Facebook (opens in a new tab)
#تحذير خطير من سلوك* عن أبي هريرة -رضي الله عنه-أنه أُتِيَ برجُلٍ جُلِدَ في الخمر، فلما انصرف، قال رجلٌ: ما له أخزاه الله، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: " لا تكونوا أعوان الشيطان على أخيكم "(1)- زاد أحمد: " وقولوا يرحمه الله ".- (1) البخاري في " الحدود " ...
View on Facebook (opens in a new tab)
#وعاءان من العلم حفظا * عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وِعَاءَيْنِ، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَبَثَثْتُهُ فِيكُمْ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَلَوْ بَثَثْتُهُ قُطِعَ هَذَا الْبُلْعُومُ - يَعْنِي مَجْرَى الطَّعَامِ - رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.- حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ: أَيْ: مِنْ كَلَامِهِ صلى الله عليه وسلم- (وِعَاءَيْنِ) : أَيْ: نَوْعَيْنِ كَثِيرَيْنِ مِنَ الْعِلْمِ مِلْءَ ظَرْفَيْنِ مُتَسَاوِيَيْنِ- (فَأَمَّا أَحَدُهُمَا) : وَهُوَ عِلْمُ الظَّاهِرِ مِنَ الْأَحْكَامِ وَالْأَخْلَاقِ - (فَبَثَثْتُهُ) : أَيْ: أَظْهَرْتُهُ بِالنَّقْلِ فِيكُمْ- (وَأَمَّا الْآخَرُ) : وَهُوَ عِلْمُ الْبَاطِنِ- (قُطِعَ هَذَا الْبُلْعُومُ) : بِضَمِّ الْبَاءِ أَيِ الْحُلْقُومُ، - لَكِنْ قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: زَادَ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي، قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: الْبُلْعُومُ مَجْرَى الطَّعَامِ وَعَلَى هَذَا لَا يَخْفَى مَا فِي الْمِشْكَاةِ إِذْ يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ تِلْكَ الْعِبَارَةَ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَوْ أَحَدِ رُوَاتِهِ - وَقَوْلُهُ: " قُطِعَ " يَحْتَمِلُ الْإِخْبَارَ مِمَّا يُتَوَقَّعُ، وَيَحْتَمِلُ الدُّعَاءَ مُبَالَغَةً فِي إِسْرَارِ الْأَسْرَارِ كَمَا هُوَ دَأْبُ الْخُلَّصِ مِنَ الْأَبْرَارِ* لِأَنَّ أَسْرَارَ حَقِيقَةِ التَّوْحِيدِ مِمَّا يَعْسُرُ التَّعْبِيرُ عَنْهُ عَلَى وَجْهِ الْمُرَادِ، وَلِذَا كُلُّ مَنْ نَطَقَ بِهِ وَقَعَ فِي تَوْهِيمِ الْحُلُولِ وَالْإِلْحَادِ، إِذَ فَهْمُ الْعَوَامِّ قَاصِرٌ عَنْ إِدْرَاكِ الْمَرَامِ، وَمِنْ كَلَامِ الصُّوفِيَّةِ صُدُورُ الْأَحْرَارِ قُبُورُ الْأَسْرَارِ- وَقِيلَ: إِنَّهُ عِلْمٌ يَتَعَلَّقُ بِالْمُنَافِقِينَ بِأَعْيَانِهِمْ أَوْ بِوِلَادَةِ الْجَوْرِ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ أَوْ بِفِتَنٍ أُخْرَى فِي زَمَنِهِ- وَقَالَ الْأَبْهَرِيُّ: حَمَلَ الْعُلَمَاءُ الْوِعَاءَ الَّذِي لَمْ يَبُثَّهُ عَلَى الْأَحَادِيثِ الَّتِي فِيهَا يَتَبَيَّنُ أَسَامِي أُمَرَاءِ الْجَوْرِ وَأَحْوَالُهُمْ وَذَمُّهُمْ، وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُكَنِّي عَنْ بَعْضِهِ وَلَا يُصَرِّحُ بِهِ خَوْفًا عَلَى نَفْسِهِ مِنْهُمْ كَقَوْلِهِ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ رَأْسِ السِّتِّينَ، وَإِمَارَةِ الصِّبْيَانِ- وَاسْتَجَابَ اللَّهُ دُعَاءَ أَبِي هُرَيْرَةَ فَمَاتَ قَبْلَهَا بِسَنَةٍ- (يَعْنِي مَجْرَى الطَّعَامِ) . تَفْسِيرٌ مِنْ بَعْضِ رُوَاةِ الْحَدِيثِ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .- مرقاة مفاتيح المصابيح شرح مشكاة المصابيح ...
View on Facebook (opens in a new tab)