الثلاثاء 22 جمادى الأولى 1448 هـ - الموافق 3 نوفمبر 2026م

ماحكم الغش في الامتحانات؟

وقع أن غششت في امتحان الثانوية مع أني من المجتهدين ، و دخلت الجامعة ثم نابني شعور مؤلم أن ما أنا عليه من الدراسة الجامعية بني على باطل ، ثم تخرجت لأعمل ، و ازداد لسع ضميري حتى بت قلقاً ، و ساورني أن ما آخذه من راتب ممن عملي حرام ، أرشدوني إلى الصواب . قال تعالى : ( و إن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به )

أخي الكريم :_

زادك لله حرصاً على نقاء السلوك ، و زادك بصير تمكنك من الإصابة في الحكم.

إني أحمد الله تعالى و أصلي و أسلم على رسوله المبعوث رحمة للعالمين ، و أقول :_

قد اطلعت على رسالتك التي لخصتها في صورة السؤال ، و التي بدأتها من نقطة ما جرى من غش في مادتين من المقرر ، ثم تنامت الخواطر فيها ، و اشتدت المحاسبة ، حتى جعلت ما كان من أمر هاتين المادتين مساوياً لكل المواد الأخرى التي نجحت فيها ، فألغيت حتى الشهادة التي حصلت عليها ، و كأنك لم تدرس سوى هاتين المادتين ، و لم تعط الشهادة إلا بهاتين المادتين ، ولم توظف إلا عليها و كأنك لم توظف إلا لأنك نجحت فيها ، أقول : تدرجت في المحاسبة حتى وصلت إلى محيط متلاطم من الندم و اللوم و الإلغاء و جلد النفس ، و حسبك ذلك في قفص ضيق كاد صدرك فيه أن يختنق ، و قد غذيت هذه الحالة بما عرضت من فتاوى و أجريت من قياس و أسقطت من أحكام ، و لم تكن منصفاً في كثير منها مع نفسك ، و إليك البيان :

_ إنما ذكرت أنك من الأوائل ، و أنك ذاكرت المادتين جيداً ، لكن لم يسعف الوقت لإعادة المذاكرة ، مما دفع إلى الغش ، و قلت إنك لا تدري إن كان بالإمكان أن تجيب إجابة جيدة بناءً عل المذاكرة الأولى لولا الغش ، و هذا يعني أنك لست متأكداً من دور الغش في النتيجة التي حصدتها ، و بقي الأمر متلبساً ، و ما صرت إليه من لوم نفسك لا يعدو تفكيراً ألم بنفسك الصافية ، أو دنس أو وقع على ثوب أبيض ، و الصفاء و البياض لا يحتملان أدنى عكر أو دنس ، و إذا كان الأمر كذلك ، فليس هناك مسوغ لتلك السلسة من التطورات النفسية الحادة الخائفة التي ألغت كل المواد التي نجحت فيها دون عش و كل الجهود المبذولة حتى في هاتين المادتين ، و تمحو الشهادة نفسها التي هي نتاج من المادتين و ليست قاصرة عليهما البتة . إنك طحنت نفسك التي كانت في الصف المتقدم و ظلمتها أيما ظلم ، ذلك أن العدل أن تضع الأمور في مواضعها ، و تحاسب نفسك حسابها المنصف لا المجحف ، فلم محوت استعدادك المتقدم بناءً على ما عرض لك من الاستعانة بزميل لك في قاعة الاختبار ، و أنت على خبر في أن النفس في لحظات الضعف قد تقع في محظور منه ليس مستحيلاً ، و ما ينبغي أن تعاقب نفسك بأكثر مما طلب منك بالشرع ، و إلا تكون مطية كوابيس لا يحركها الورع ، و إنما ينفذ بها الشيطان مصيدة للإيقاع بك حيث يوصلك إلى تدمير كامل لكل الحصاد التي بذلت له جهوداً ما يصح أن تلغى ، و إلا فالشهادة التي حصلت عليها بنيت على سهر و دراسة و جهود ، فلم تلغى من أجل سطر أو سطرين ؟.

ثم الأهم مما سبق أن الاختبارات التي تجريها ليست مطابقة تماماً للجهود المبذولة ، و لكنها أقرب ما يكون إلى المطابقة ، و لهذا بدلت كثير من الدول صيغ اختبارات و طرائقها ، و هناك دول لا تمانع اصطحاب الطالب في بعض المواد مراجع معه إلى قاعة الامتحان ، وهنا يكون لطريقة أسئلة و مدى هضم الطالب للمادة ، لأن المهم قياس مدى استيعاب الطالب ، لا إيقاعه في فخ السؤال اللغز ، ثم هناك وزارات تربية تضيف درجات للطالب ، لترقى بنسبة النجاح ، و تبني هذه الزيادة على بناء الأسئلة ، أو مدى ملائمتها للمستوى العام للطلاب ، و يقدر هاهنا أن بعض الطلاب لم تحالفهم الذاكرة وقت الاختبار ، أو ربما شغلوا قبل الدخول للاختبار بما أعاق أمر الذاكرة ، فلم نضيع الطالب من حيث بذل من جهود طوال العام من أجل ساعة يدخل فيها إلى قاعة الاختبار بتوتر نفسي لا ينجو منه طالب ، و بحالات عارضة تلم بالبيوت ليلة الامتحان فتمنع الطالب من الاستعادة الصحيحة الكاملة لما سيقدم في الاختبار ، أو ربما ألم به صداع أذهب عنه بعض المعلومات أو منعه من التركيز .

ألم تر أن من يضيع جدول الامتحان يراعي قضية المواد و يرتبها حسب الصعوبة و ضخامة المعطى ، و ربما أعطوا الطالب يوماً قبل المادة الفلانية ابتغاء إقداره على المراجعة .

من كل هذا نتبين أن الامتحانات ليست المقياس الموضوعي الصارم لما حصل الطالب ، ألا ترى أنه ربما ندت من ذاكرة الطالب الفكرة الصحيحة ، و ما يذكرها إلا حين يغادر قاعة الامتحان ، فترجع إلى ساحة الشعور و بؤرته بعد ما بخرتها حرارة الموقف ، و لا يمكنه عند ذلك أن يعود ليسجلها على ورقة الإجابة ، أيصح مع هذا أن نهدر سنة كاملة على مقاعد الدرس و متابعة المدرس و المذاكرة و هضم المعلومة من أجل أن الذاكرة قد خانته وقتها .

إنه _ أخي الكريم _ إن كان لا يكفيك بدلاً من نسف جهودك و دخولك في أزمة حادة صورت لك أنه لا مخرج مما أنت فيه إلا أن تلغي الشهادة و الجهود التي أثمرتها ، و تطلق الحياة و تغلق عليك بابك ، أقول بدلاً من هذا كله أو بعضه كان يكفيك ما قام في نفسك من ندم شربت منه كؤوساً ملأى ، و ما جلدت به نفسك من تأنيب حاد أظلم عليك حياتك و عمى على كل الإمكانات التي أعطاك الله تعالى إياها ، كان يكفيك أنك ندمت و استغفرت و أنت خبير أن المشرك إذا عاد إلى الله بالتوحيد قبله الله تعالى ، و أنت تعلم أي ذنب تصح التوبة منه ، و أن ما ألممت به لا يعدو غفلة ألمت ، أغرت بها ظروف عارضة ، ثم انتهى الأمر على هذا ، أما أن تجعل الشهادة قائمة بهاتين المادتين ، و الغش فيهما غش في كل الشهادة ، فلا ثم لا . ثم أنت بصير بأن المواد التي تدرسها في مراحل الدراسة لا طعم لها و لا دور لها في بناء شخصيتنا العملية ، و كم مون مادة لم يبق منها في الذاكرة إلا الاسم دون أي مضمون ، و مع ذلك نقوم بدورنا في الحياة حسب التخصص و بأحسن ما يكو ، و تكون جهودنا عطاءً مقبولاً إن شاء الله تعالى ، و لتكن طبيباً مثلاً ! ألا ترى أن الخبرة العملية تأتي تتويجاً للشهادة ، و أنه لا يقبل منه أن يمارس الطب بناء على ما حصل من شهادة و نجح فيه من مواد ، ألا ترى أن الممارسة تعني أنه هضم ما يمارسه تجاه مرضاه ………

وفقنا الله للنظر السديد و الموقف الصائب.

شارك المحتوى

تابعنا على Facebook

تابع أحدث أخبار ومقالات فضيلة الشيخ عبد الكريم تتان

#قولهم : شَيْخٌ فانٍ* معناه : شيخ قد نَفِدَ عمره ، والفناء عند العرب نفاد الشيء قال الشاعر: كَتَبَ الفناءَ على الخلائقِ ربُّنا وهو المليكُ وملكُهُ لا ينفدُ - وعُمر الرجلُ : طال عمره بالتخفيف- والعُمر- بالضم - والعَمر -الفتح -: البقاء ، إلا أن الفتح غلب في القسم ، ولا يجوز فيه الضم* في القاموس جاء في الحديث النهي عن قول: لعمر الله - وفي الراغب العمر دون البقاء لأنه اسم لمدة عمارة البدن بالحياة* والبقاء ضد الفناء ، ولهذا يوصف الباري بالبقاء ...
View on Facebook (opens in a new tab)
#نظرة حكيم في التدبير*عَنْ الأحنف بن قيس: لَا يَتِمُّ أَمْرُ السُّلْطَانِ إلَّا بِالوُزَرَاءِ وَالأَعْوَانِ، وَلَا يَنْفَعُ الوُزَرَاءُ والأعوان إلَّا بِالمَوَدَّةِ وَالنَّصِيْحَةِ، وَلَا تَنْفَعُ المَوَدَّةُ وَالنَّصِيْحَةُ إلَّا بِالرَّأْيِ وَالعِفَّةِ. ...
View on Facebook (opens in a new tab)
#قنطرة المظالم يوم الحساب* حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "يخلص المؤمنون من النار، فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هذبوا ونقوا، أذن لهم في دخول الجنة، فوالذي نفس محمد بيده، لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة منه بمنزله كان في الدنيا".* وفي الآية: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ}(1) * حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - "يخلص" أي: ينجو:" المؤمنون من" السقوط في "النار" بعدما يجوزون الصراط، "فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار"- قيل: إنها صراط آخر، وقيل: إنها من تتمة الصراط، وإنها طرفه الذي يلي الجنة- قال الحافظ: لعل أصحاب الأعراف منهم على القول الراجح، "فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا" - (1) [الحجر: 47]- البخاري ...
View on Facebook (opens in a new tab)
#مفهوم حلق الذكر في الحديث* عن أنس ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :"إذا مررتم برياض (1) الجنة فارتعوا (2) . قيل : يا رسول الله ما رياض الجنة ؟ قال : حلق الذكر"- مفهوم حلق الذكر: تشمل مجالس العلم، وتلاوة القرآن، وتدبر معانيه، ومعرفة الحلال والحرام.- وهي مجالس يجتمع فيها المسلمون لذكر الله تعالى، وتلاوة القرآن الكريم، ومدارسة العلم الشرعي * في الحَديثِ يُشبِّهُ النَّبيُّ -صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم- هذه المجالِسَ برِياضِ الجنَّةِ، حيث يقولُ: "إذا مرَرتُم برِياضِ الجنَّةِ"، والرِّياضُ هو المكانُ الَّذي به خُضرةٌ وزهرٌ، شبَّهه برِياضِ الجنَّةِ؛ لِمَا يَحدُثُ فيها للجالِسين مِن راحةٍ وطُمَأنينةٍ في القلوبِ؛ لِمَا فيها مِن ذِكرِ اللهِ- "فارْتَعوا" وصية بحرِص المسلِم على أنْ يحصد مِنها كلّ خيرٍ، والحثُّ على لزوم مَجالسِ الذِّكرِ؛ لِمَا فيها مِن الخيرِ للنَّاسِ. * رياضُ الجنَّةِ؟، حِلَقُ الذِّكرِ، والحِلَقُ هي جَماعةُ النَّاسِ يَجتمِعون على شَكلِ الحَلْقةِ يَذكُرون اللهَ ويَتْلون كِتابَه، ويتَعلَّمون العِلمَ فإذا رأَيتُم هذه الحِلَقَ فاغتَنِموا ما فيها، وكونوا حَريصين على ما فيها مِن ذِكرٍ، وتعلُّمٍ للعِلمِ.مَجالِسُ العلمِ وحِلَقُ الذِّكرِ فيها حياةٌ للقلوبِ وطهارةٌ للنُّفوسِ وسبيلٌ للسَّعادةِ في الدَّارَين؛ لأنَّها تُعرِّفُ باللهِ وتُقرِّبُ منه، وفيها تعليمُ صحيحِ الدِّين. (1) الرياض : جمع الروضة وهي البستان(2) الرتع : الاتساع في الخصب والمراد : الإكثار من ذكر الله ...
View on Facebook (opens in a new tab)
#أم المؤمنين الصديقة بنت الصديقحبيبة الحبيب على الصلاة والسلام * أسوق هذا النص من ألف نص مماثل بعد أن تابعت نكرات يتكلمن عن أم المؤمنين عائشة ، وبينهن وبينها قرابة الف سنة ضوئية ، فكن لمنزلة الصديقة ينفلقن غيرة حيث إنها تحمل شهادة جامعية عليا ، ولم تنل من السمعة ما طمعت فيها ، فرات نفسها في الحياة أقل من " عفطة سخلة عجفاء في الصحراء" فصاغت لها غيرتها القاتلة شخصية ظنتها من غارت منها ، فلها أوقدتُ هذه الشمعة من سيرة مشرقة علّ عمى التي غارت يزول عنها وتعود لها رؤيتها!!عسى!! ** يقينا من تحدث عن الصديقة أم المؤمنين ههنا أدرى بها ممن قرأ وريقات ونال بها الشهادات ، لأنه أقرب زماناً ومكاناً وبريء من تزوير حط في رحاب التاريخ من قبل الضالين! * عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: كَانَ إِذَا حَدَّثَ عَنْ عَائِشَةَ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهَا، قَالَ: حَدَّثَتْنِي الْمُبَرَّأَةُ الْمُصدَّقَةُ بِنْتُ الصِّدِّيقِ، حَبِيبَةُ حَبِيبِ اللَّهِ - قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: فَكَانَتْ تُحْسِنُ الْفَرَائِضَ؟ - قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ أَكَابِرَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَسْأَلُونَهَا عَنِ الْفَرَائِضِ"- الزهد والرقائق لابن المبارك ...
View on Facebook (opens in a new tab)