السبت 6 ربيع الآخر 1448 هـ - الموافق 19 سبتمبر 2026م

ماحكم الغش في الامتحانات؟

وقع أن غششت في امتحان الثانوية مع أني من المجتهدين ، و دخلت الجامعة ثم نابني شعور مؤلم أن ما أنا عليه من الدراسة الجامعية بني على باطل ، ثم تخرجت لأعمل ، و ازداد لسع ضميري حتى بت قلقاً ، و ساورني أن ما آخذه من راتب ممن عملي حرام ، أرشدوني إلى الصواب . قال تعالى : ( و إن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به )

أخي الكريم :_

زادك لله حرصاً على نقاء السلوك ، و زادك بصير تمكنك من الإصابة في الحكم.

إني أحمد الله تعالى و أصلي و أسلم على رسوله المبعوث رحمة للعالمين ، و أقول :_

قد اطلعت على رسالتك التي لخصتها في صورة السؤال ، و التي بدأتها من نقطة ما جرى من غش في مادتين من المقرر ، ثم تنامت الخواطر فيها ، و اشتدت المحاسبة ، حتى جعلت ما كان من أمر هاتين المادتين مساوياً لكل المواد الأخرى التي نجحت فيها ، فألغيت حتى الشهادة التي حصلت عليها ، و كأنك لم تدرس سوى هاتين المادتين ، و لم تعط الشهادة إلا بهاتين المادتين ، ولم توظف إلا عليها و كأنك لم توظف إلا لأنك نجحت فيها ، أقول : تدرجت في المحاسبة حتى وصلت إلى محيط متلاطم من الندم و اللوم و الإلغاء و جلد النفس ، و حسبك ذلك في قفص ضيق كاد صدرك فيه أن يختنق ، و قد غذيت هذه الحالة بما عرضت من فتاوى و أجريت من قياس و أسقطت من أحكام ، و لم تكن منصفاً في كثير منها مع نفسك ، و إليك البيان :

_ إنما ذكرت أنك من الأوائل ، و أنك ذاكرت المادتين جيداً ، لكن لم يسعف الوقت لإعادة المذاكرة ، مما دفع إلى الغش ، و قلت إنك لا تدري إن كان بالإمكان أن تجيب إجابة جيدة بناءً عل المذاكرة الأولى لولا الغش ، و هذا يعني أنك لست متأكداً من دور الغش في النتيجة التي حصدتها ، و بقي الأمر متلبساً ، و ما صرت إليه من لوم نفسك لا يعدو تفكيراً ألم بنفسك الصافية ، أو دنس أو وقع على ثوب أبيض ، و الصفاء و البياض لا يحتملان أدنى عكر أو دنس ، و إذا كان الأمر كذلك ، فليس هناك مسوغ لتلك السلسة من التطورات النفسية الحادة الخائفة التي ألغت كل المواد التي نجحت فيها دون عش و كل الجهود المبذولة حتى في هاتين المادتين ، و تمحو الشهادة نفسها التي هي نتاج من المادتين و ليست قاصرة عليهما البتة . إنك طحنت نفسك التي كانت في الصف المتقدم و ظلمتها أيما ظلم ، ذلك أن العدل أن تضع الأمور في مواضعها ، و تحاسب نفسك حسابها المنصف لا المجحف ، فلم محوت استعدادك المتقدم بناءً على ما عرض لك من الاستعانة بزميل لك في قاعة الاختبار ، و أنت على خبر في أن النفس في لحظات الضعف قد تقع في محظور منه ليس مستحيلاً ، و ما ينبغي أن تعاقب نفسك بأكثر مما طلب منك بالشرع ، و إلا تكون مطية كوابيس لا يحركها الورع ، و إنما ينفذ بها الشيطان مصيدة للإيقاع بك حيث يوصلك إلى تدمير كامل لكل الحصاد التي بذلت له جهوداً ما يصح أن تلغى ، و إلا فالشهادة التي حصلت عليها بنيت على سهر و دراسة و جهود ، فلم تلغى من أجل سطر أو سطرين ؟.

ثم الأهم مما سبق أن الاختبارات التي تجريها ليست مطابقة تماماً للجهود المبذولة ، و لكنها أقرب ما يكون إلى المطابقة ، و لهذا بدلت كثير من الدول صيغ اختبارات و طرائقها ، و هناك دول لا تمانع اصطحاب الطالب في بعض المواد مراجع معه إلى قاعة الامتحان ، وهنا يكون لطريقة أسئلة و مدى هضم الطالب للمادة ، لأن المهم قياس مدى استيعاب الطالب ، لا إيقاعه في فخ السؤال اللغز ، ثم هناك وزارات تربية تضيف درجات للطالب ، لترقى بنسبة النجاح ، و تبني هذه الزيادة على بناء الأسئلة ، أو مدى ملائمتها للمستوى العام للطلاب ، و يقدر هاهنا أن بعض الطلاب لم تحالفهم الذاكرة وقت الاختبار ، أو ربما شغلوا قبل الدخول للاختبار بما أعاق أمر الذاكرة ، فلم نضيع الطالب من حيث بذل من جهود طوال العام من أجل ساعة يدخل فيها إلى قاعة الاختبار بتوتر نفسي لا ينجو منه طالب ، و بحالات عارضة تلم بالبيوت ليلة الامتحان فتمنع الطالب من الاستعادة الصحيحة الكاملة لما سيقدم في الاختبار ، أو ربما ألم به صداع أذهب عنه بعض المعلومات أو منعه من التركيز .

ألم تر أن من يضيع جدول الامتحان يراعي قضية المواد و يرتبها حسب الصعوبة و ضخامة المعطى ، و ربما أعطوا الطالب يوماً قبل المادة الفلانية ابتغاء إقداره على المراجعة .

من كل هذا نتبين أن الامتحانات ليست المقياس الموضوعي الصارم لما حصل الطالب ، ألا ترى أنه ربما ندت من ذاكرة الطالب الفكرة الصحيحة ، و ما يذكرها إلا حين يغادر قاعة الامتحان ، فترجع إلى ساحة الشعور و بؤرته بعد ما بخرتها حرارة الموقف ، و لا يمكنه عند ذلك أن يعود ليسجلها على ورقة الإجابة ، أيصح مع هذا أن نهدر سنة كاملة على مقاعد الدرس و متابعة المدرس و المذاكرة و هضم المعلومة من أجل أن الذاكرة قد خانته وقتها .

إنه _ أخي الكريم _ إن كان لا يكفيك بدلاً من نسف جهودك و دخولك في أزمة حادة صورت لك أنه لا مخرج مما أنت فيه إلا أن تلغي الشهادة و الجهود التي أثمرتها ، و تطلق الحياة و تغلق عليك بابك ، أقول بدلاً من هذا كله أو بعضه كان يكفيك ما قام في نفسك من ندم شربت منه كؤوساً ملأى ، و ما جلدت به نفسك من تأنيب حاد أظلم عليك حياتك و عمى على كل الإمكانات التي أعطاك الله تعالى إياها ، كان يكفيك أنك ندمت و استغفرت و أنت خبير أن المشرك إذا عاد إلى الله بالتوحيد قبله الله تعالى ، و أنت تعلم أي ذنب تصح التوبة منه ، و أن ما ألممت به لا يعدو غفلة ألمت ، أغرت بها ظروف عارضة ، ثم انتهى الأمر على هذا ، أما أن تجعل الشهادة قائمة بهاتين المادتين ، و الغش فيهما غش في كل الشهادة ، فلا ثم لا . ثم أنت بصير بأن المواد التي تدرسها في مراحل الدراسة لا طعم لها و لا دور لها في بناء شخصيتنا العملية ، و كم مون مادة لم يبق منها في الذاكرة إلا الاسم دون أي مضمون ، و مع ذلك نقوم بدورنا في الحياة حسب التخصص و بأحسن ما يكو ، و تكون جهودنا عطاءً مقبولاً إن شاء الله تعالى ، و لتكن طبيباً مثلاً ! ألا ترى أن الخبرة العملية تأتي تتويجاً للشهادة ، و أنه لا يقبل منه أن يمارس الطب بناء على ما حصل من شهادة و نجح فيه من مواد ، ألا ترى أن الممارسة تعني أنه هضم ما يمارسه تجاه مرضاه ………

وفقنا الله للنظر السديد و الموقف الصائب.

شارك المحتوى

تابعنا على Facebook

تابع أحدث أخبار ومقالات فضيلة الشيخ عبد الكريم تتان

#استقبال المدينة للرسول هللي يا ربا المدينة واهمي بسخي الأضواء والأنداء واطلقيها الله أكبر حتى ينتشي بها كلُّ كوكب وضاء وأعلنيها للكون أن رسول الله لآت لصحبه الأوفياء(1)- (1) من الذاكرة التي شاخت وأعتذر إن كنت أخطأت ...
View on Facebook (opens in a new tab)
#نصح من واعٍ* يقول الناصح: " لَا تَشْرِينَّ مَشْرَى صَفْوٍ يُكَدَّرُ"- كلمة "شَرَى" تقال لمن اشترى أو : باع، وهي في قوله -تعالى- {وشَرَوْهُ بثَمَنٍ بَخْسٍ} تعني باعوه* مضرب المثل: يضرب لمن يستبدل خيراً بشر- [صَفا] - صفوًا وصَفاءً-: خلص من الكَدرِ- [الكَدَرُ]: نقيض الصفاء* وقيل في تعبير رؤيا صيد السمك: صيد السمك من الماء الكدر همٌ شديد ، ومن الماء الصافي رزق ...
View on Facebook (opens in a new tab)
#وصول ركب النبوة الى المدينة* سَمِعَ الْمُسْلِمُونَ بِالْمَدِينَةِ بِمَخْرَجِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- مِنْ مَكَّةَ، فَكَانُوا يَغْدُونَ كُلَّ غَدَاةٍ إِلَى الْحَرَّةِ، فَيَنْظُرُوهُمْ حَتَّى يَرُدَّهُمْ حَرُّ الظَّهِيرَةِ، فَانْقَلَبُوا يَوْمًا بَعْدَ مَا أَطَالُوا انْتِظَارَهُمْ، فَلَمَّا أَوَوْا إِلَى بُيُوتِهِمْ أَوْفَى رَجُلٌ مِنْ يَهُودَ عَلَى أُطُمٍ مِنْ آطَامِهِمْ لِأَمْرٍ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَبَصُرَ بِرَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَأَصْحَابِهِ مُبَيَّضِينَ يَزُولُ بِهِمُ السَّرَابُ، فَلَمْ يَمْلِكُ الْيَهُودِيُّ أَنْ قَالَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا مَعْشَرَ الْعَرَبِ هَذَا جَدُّكُمُ الَّذِي تَنْتَظِرُونَ، فَثَارَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى السِّلَاحِ، فَتَلَقَّوْا رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- بِظَهْرِ الْحَرَّةِ فَعَدَلَ بِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ حَتَّى نَزَلَ بِهِمْ فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ وَذَلِكَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِعلى الطريق : فَأخبر عُرْوَةُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَقِيَ الزُّبَيْرَ رضي الله عنه فِي رَكْبٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا تُجَّارًا قَافِلِينَ مِنَ الشَّامِ، فَكَسَا الزُّبَيْرُ رضي الله عنه رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَبَا بَكْرٍ ثِيَابَ بَيَاضٍ(2)* رصد الشيخ يوسف النبهاني المشهد فصدح بقوله: هللي يا ربا المدينة واهمي بسخي الأضواء والأنداءواطلقيها الله أكبر حتى ينتشي بها كلُّ كوكب وضاء وأعلنيها أن رسول الله لآت لصحبه الأوفياء(1)- (1) من الذاكرة التي شاخت وأعتذر إن كنت أخطأت - (2) ذكره ابْنُ شِهَابٍ ...
View on Facebook (opens in a new tab)
#الغذاء يصل عبر شريان الماء** بم يشي هذا المشهد الفاخر! - شريان الأبهر المائي وقد انسابت فيه المياه الزرقاء يتمدد بين صفوف الأشجار التي انتصبت شامخة بهجة بالسقيا ! - يتقن الشجر الرضاع من أثداء النهر المترقرق بصمت مدهش! - أوقفتَ يوماً على بديع صنع الله في شبكة القنوات المذهلة داخل جسمك ، وما فيها من تدفق النجيع الأحمر !? * أسمعتَ الوحي المبارك ينزل بقوله -تعالى-: {وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ (20) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ (21)} سورة الذاريات ...
View on Facebook (opens in a new tab)
#أنت وحدك وحدك تنجي- احتراق العاشق يحكي شقائق النعمان!- رجاء الأخذ هنا لهب الحريق!من قلب جمر العشق اللاهب تنطلق الكلمات مدوية صارخة في وجه الغافلين أن أفيقوا من تجمد المشاعر أفيقوا:أرنو إليك... و روحي مسها أرق ،،،و القلب من لوعة الأشواق محترق ،،،خذني إليك ؛؛؛ فإن العشق أغرقني ،،،و أنت وحدك تنجي من به غرق ،،، ...
View on Facebook (opens in a new tab)