الإثنين 8 ربيع الآخر 1448 هـ - الموافق 21 سبتمبر 2026م

سيدة فاضلة تشكو من حالة فراغ نفسي مقلق، جرَاء جفاف…

سيدة فاضلة تشكو من حالة فراغ نفسي مقلق، جرَاء جفاف العلاقة العاطفية بالزوج، وتذوق من هذا الفراغ طعم شقاء مر، وتهاجمها خواطر رديئة مؤلمة، فهل من مخرج؟

بسم الله الرحمـــــن الرحيــم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

سيدتي الفاضلة

تحية طيبة أبدأ بها خواطري تجاه رسالتك التي تكفلت- على صغر حجمها- ببيان ما عليه حالة الكاتبة بعمق وصدق

إن وضعك محدد بمطالب محددة من الأب والزوج، وإعلان الرغبة فيها، من وراء ما يحيك في الصدر من مشاعر وتوجهات، كأنك تقولين:إن لم يعطني زوجي فهناك من أرجو منه ذلك، والغوص في تاريخ النشأة من هذا الضرب.

إن ما يلح على النفس من هذه المطالب من وراء الغفلة عن كثير من المؤنسات:كالانتهاء من التعليم، والبداية الراشدة للزواج، والإنجاب، والعمل، ورعاية الأسرة، وقد تمكن ألم فقد تلك المشاعر التي تدندنين عليها من إسدال الستار على هذا كله، مع أن الأولاد- وحدهم- قرة عين، ويلبون مشاعر في المرأة ناضجة، خاصة إذا بلغت عمرا معينا، بمثله- الأربعين- كان يأتي الوحي للأنبياء عليهم السلام.

صدقك مع نفسك، وثباتك على الاستقامة، نعمتان كبيرتان، ذلك أنك لم تتهاو أمام تلك المشاعر الضاغطة، بل أنت خبيرة ممتازة أمام تقييمها، وكشف زيفها، وسعادة النفس –سيدتي الفاضلة- لا تحصر فيما تطلبين، حتى إذا لم يتحقق كان الشقاء، بل مصادر السعادة عديدة ، وأثبتها وأصدقها وأبقاها ، حالتنا مع الله- تعالى- وإني أحمد الله إليك أن صدرك مفعم بكثير من المعاني الطيبة الأصيلة في هذا المجال.

هذا الكون خلق الله – تعالى – ونحن في هذه الدار مختبرون، والسعيد من نجح في الاختبار، وأرى أنك ناجحة أيما نجاح، ولا يعكر عليه ما أنت فيه، بل هو لب اختبارك في الحقيقة، وقد سئل أحد المربين أيهما أفضل:من لم يبتل فصبر أم من ابتلي وصبر؟ فأجاب أن من مر بمحنة وتماسك أمامها أفضل وتلا قوله- تعالى- "أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى، لهم مغفرة وأجر عظيم" وقد جاء عن الرسول- عليه الصلاة والسلام- "أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل…"

أرى- يا سيدتي الفاضلة- أنك بما ذكرت تُحاشين إلى الله- تعالى- لتقومي بدورك الرائع في الحياة كما صورت، والقلب ليس له هم إلا هم السيدة رابعة ، حيث قالت في مناجاتها:أحبك حبين، حب الهوى، وحبا لأنك أهل لذاكا…. وتقصد بحب الهوى حب الفطرة، وبالحب الثاني حبه لكماله وجلاله وجماله سبحانه، وإذا أوحشك الله ممن حولك، فليوجه قلبك إليه، لأن حبه هو الحب الحقيقي…

سيدتي لا تجعلي ما يعرض على الشاشة- ولو لم تكوني تشاهدينها- مطمحا تريدين تحقيقه، فالممثلون يمثلون فحسب، ولعل أشقى البيوت خارج التمثيل بيوتهم، فهم يؤدون أدواراً ابتغاء الشهرة والمال… واجعلي منك مثل تلك المرأة، وكانت جميلة وزوجها دميم، مطمحا نرنو إليه، حيث سئلت:كيف قبلت على ما أنت عليه بهذا الزوج؟والسائل كأنه أراد أن يخرجها عن هدوئها النفسي بزوجها، فكان جوابها جواب العارفة بشؤون الحياة التي ملئت بالأسرار:وما أدراك لعل الله رأى فيه خيرا، أوقد قام بعمل خير، فساقني إليه حسنة من حسناته، ولعله- سبحانه- رأى مني سيئة ما، فساقه إليّ، ولعل روح الموقف هو المطلوب، وروحه هنا: تعلّقَ بصرُها على زوجها، فرضيت به على ما هو عليه، سيدتي الفاضلة إن البيت الذي خلت غرفه من مشاعر المحبة التي تعبر عنها كلمات معسولة، لا يعدم أبدا مساحات من الود والرحمة والسكن تغطي أنفاس أهله، ومن فقد عضواً من أعضائه يبقى له ما يعيش به، ويؤدي مهمته في الحياة التي تتجلى في أننا راحلون لا محالة مهما طال مكثنا، وأن دار المقامة هي المأوى، وهناك لا نصب ولا تعب، ولا مشاعر جريحة، ويمكن بحكمة بالغة طي الأهداف الصغيرة في الهدف الكبير. ولنفترض هنا أن الزوج قد مات، أو أن المرض قد حط رحاله في الجسد، أو أنا قد حرمنا الذرية، أو بقينا بلا زواج، أو أن الزوج كان مشاكسا ، لا بارد العواطف فحسب، فما الحل؟ لا شك أن العاقل يحسن التعامل مع كل حال من هذه الأحوال، ويلبس لها لبوسها المناسب، ويبقى قلبه عامرا بالأنس بالله القائل "ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص…"

النفس الصافية- يا أختنا- تلتقط ذرة من ذرات الغبار، وقشة مهما صغرت في كأس ماء، وهاأنت تذكرين أنك تتجهين بقوة إلى ما تتجهين إليه رغبة فيه أن يعوض ما تفقدين، وأنت على يقين بأنه باطل، و بأنه هواء، وبخار، وسراب، فلم إذن لا نغذي هذه الرؤية الصحيحة، بالالتفات إلى مسرد النعم فينا،وما أكثرها! ثم الانشغال بعمارة الصلة بالله، ولعل الإكثار من الذكر كفيل بهذا النهوض، وإذا كنت على استعداد، وأظنك عليه كما فهمت من رسالتك، فإني سأبين لك مجموعة من الأذكار البانية الهادمة، تبني الجسور مع عالم النور، وتهدم كل القواطع، وتزيل كل ما يعكر الصفاء المنشود، بناء على قوله –تعالى- "ألا بذكر الله تطمئن القلوب" وتبعد عن الأحوال التي نحصر أنفسنا فيها، فتنحصر، وتضيق علينا صدورنا، ونقترب من "يكاد يقودني للجنون" وفهمك- سيدتي- كما نضحت به الرسالة كفيل بأن يرقى بك إلى فضاءات من الراحة النفسية، والأسر الروحي الأخاذ، فتجدين السعادة منابع سعادة، لا منبعا واحدا…

شارك المحتوى

تابعنا على Facebook

تابع أحدث أخبار ومقالات فضيلة الشيخ عبد الكريم تتان

#المسلم على الواضح تصوراً وسلوكاً* لَا تَظْلِمَنَّ وَضَحَ الْطَريق- يضرب في التحذير لمن ترك الطريق الواضِح إلى المبهم.- صَاحب الْعين: وَضَحَ الطّريقُ: ظَهَرَ، وأَوْضَحْت النَّار: تلأْلأَتْ واتَّضَحَتْ- ظُلْمه: وضعه السير في غير موضعه* قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: يَا مَعْشَرَ الْقُرَّاءِ، ارْفَعُوا رُءُوسَكُمْ فَقَدْ وَضَحَ الطَّرِيقُ، اسْتَبْقُوا الْخَيْرَاتِ، وَلَا تَكُونُوا عِيَالًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ(1)* كان سفيانُ الثورِي يَمُرُّ بنا ونحن جلوس في المسجد الحرام، فيقول: «ما يُجلسكم؟» فنقول: فما نصنع؟ قال: اطلبُوا من فضلِ الله، ولا تكونُوا عِيَالًا على المسلمين.(2)- (1) مسند ابن الجعد- (2) في الحث على التجارة ...
View on Facebook (opens in a new tab)
#سحر الجمال سحر حلال* حقاً إن من البيان لسحراً ، وإن من جمال الكون لأعذب الصور* أليست عناصر المشهد من أروع القوافي التي أسمعت القلب أرق المعاني ، وأطربت العيون بأجمل المباني ، فكأنا بين يدي معلقة هي أفخر ما عرف العرب والعجم !* إن النفس تلقي بيديها أمام ظلال الجبال على صفحة الماء الصافية ، ثم ترقى إلى صاحب الظل!أليس العقل يسلم بداهة أمام المشهد بعظمة المبدع ، ويقر بقدرته ، بناء على أن لكل حادث محدثاً ؟!* أليست هذه التوليفة من الألوان تقبل بنفسها كيفيات كثيرة حسب قانون الاحتمال ، وظهورها بهذه الكيفية اختيار من خارجها ، وتذكر بقوله -سبحانه-: { فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ}(1) أي: في أَيِّ شَبَهٍ شَاءَ صَوَّرَكَ، شَبَهِ الْأَبِ أَوِ الْأُمِّ أَوِ الْخَالِ أَوِ الْعَمِّ* هل هناك من يرى صورة ليس لها مصور؟ أليس لكل صورة مقاسات ؟ أتحدد الصورة بذاتها مقاساتها من الداخل؟ ** أمسك هنا عن سرد الخواطر منبعثة من المشهد ، وأترك لمن يقرأ أن يكمل- (1) [الانفطار: 8] ...
View on Facebook (opens in a new tab)
#سيد الاستغفار بكلمات ربانية تحدد عبودية العبد لله - مما أتحفنا به الرسول عليه الصلاة والسلام أنه دلنا على كيفية التعامل مع الله -جل جلاله-وتصحيح المسار إذا التوى بنا الطريق * عن شدَّادِ بن أوسٍ أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم - قال: " سيِّدُ الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي، لا إله إلَاّ أنت، خلقتني وأنا عبدُكَ، وأنا على عهدك ووعدِك ما استطعتُ، أعوذُ بك من شرِّ ما صنعتُ، أبوءُ لك بنعمتك عليَّ، وأبوءُ بذنبي، فاغفر لي ذنوبي، فإنه لا يغفر الذنوبَ إلَاّ أنت، قبل أن يُصْبِحَ، فمات فهو من أهل الجنة " (1).* " أبوءُ لك بنعمتك عليَّ، وأبوء بذنبي": أي أُقِرُّ وأعترِفُ، فدل على أن للاعتراف أثراً في مغفرة الذنوب، وكذلك الاستغفارُ، وقد جُمعا في هذا الاستغفار العظيم، ولو كان بمنزلة التوبة، لم يشترط في المغفرة لصاحبه أنيموتَ من يومه قبل أن يُمسي أو في ليلهِ قبل أن يُصْبِحَ، فإن التائب يُغفر له ما لم يَعُدْ بالإجماع، ولأنه رتَّبَ المغفرة على القول واليقين به، لا سوى.(1) - رواه البخاري والنسائي، ورواه الترمذي بنحوه، واللفظ لهما ...
View on Facebook (opens in a new tab)
#مثال يضرب للمتحيِّر* المثل: يقال للمتحير " لَاغَرْو وَلَا هَيْمَ "- ويضرب للأمر إذا أشكل، قَالَ القائل: أَعييَتني كُلَّ الْعَيَا … ءِ فَلَا أُغَرُّ وَلَا أَهِيمْ- [لا غرو] أي: لا عجب.- [الهائم]: المُتَحَيِّر، وهامَ يَهِيمُ.- مما يقال: لا غرو فعلم التوحيد خاصة، وعلم أصول الدين عامة أشرف العلوم؛ إذ شرف العلم بشرف المعلوم،* الأمثال لدى جميع الشعوب، مرآة صافية لحياتها، تعكس بكل دقة وجلاء الصورة النقيّة لمعظم عاداتها وتقاليدها وعقائدها ، والحكماء والعلماء والأدباء، لم يزالوا يضربون الأمثال ...
View on Facebook (opens in a new tab)
#أهل الجنة وأهل النار- نؤمن أن هناك جنة أعدت للمتقين ن وناراً اعدت للكافرين- من مات على الإيمان الذي جاءت الرسالة الخاتمة بتفاصيله ، فمصيره في الجنة - واما من مات على الكفر بالله وبرسوله صلى الله عليه وسلم فمصيره في النار خالداً فيها أبداً وهذا كله علمناه من كتاب الله ومن سنة الرسول الخاتم شهادة كتاب الله لذلك، حيث* قال -تعالى- في أهل النار: {أُعِدَّتْ للكافرين}(1) - وقال: {لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (15) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى}(2) - وقال تعالى: {وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (86) لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا}(3) * وقال: {إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى}(4).* ذكرت أكثر من نص علماً أن آية واحدة تكفي العاقل في بناء هذا التصور* وقال جل جلاله في الجنة: {أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ}(5) - وقال تعالى في أهل الجنة: {خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ} [هود: 107] * ومن ذلك أحاديث: " من كان آخر كلامه لا إله إلَاّ الله، دخل الجنة " ، وهي مشهورةٌ، بل متواترةٌ.(1) [البقرة: 24] (2) [الليل: 15 - 16] (3) [مريم: 86 - 87](4) [طه: 48](5) [الحديد: 21] . ...
View on Facebook (opens in a new tab)