أجرى الحوار: ماهر سقا أميني
الخميس 12 شوال 1430هـ – 1 أكتوبر 2009
في الحلقة الثالثة والأخيرة من الحوار، يتناول فضيلة الشيخ عبد الكريم تتان عددًا من القضايا الفكرية والدعوية، ومنها العلاقة بين السلفية والتصوف، وما يسمى بالدعاة الجدد، ثم يتحدث عن الأزمة المالية والاقتصادية وقضية فلسطين.
السلفية والتصوف
سؤال: فضيلة الشيخ، في الساحة الإسلامية نجد اليوم عقدة حبل مشدود واستقطابًا بين فريقين: فريق يسمي نفسه سلفيًا وآخر يسمي نفسه صوفيًا، وتهدر كثير من الجهود والأموال بسبب هذا الاستقطاب، أين أنتم من الفريقين وكيف ترون أمر هذا الخلاف؟
فضيلة الشيخ: لا بد أولًا من تعريف وتحديد ماذا نعني بالسلفية والصوفية. التعريف والتحديد الصحيح غير المتحيز وغير الانفعالي يرينا أن لا خلاف بين الفريقين، وعندها… يجب أن يتساقى الطرفان كل من منهل الآخر.
أما إذا جاء التعريف مركزًا على قضايا أخرى بقصد إلقاء الأضواء على دقائق الخلاف والاختلاف – وقد يكون كثير منها ثانويًا – عندها لن ننتظر أن يتساقى الطرفان، بل لعل كل منهما سيود أن يسقي الآخر السم.
ما هو التصوف؟
بعيدًا عن الغلو وعن تشويه البعض وعن الاستثمار العلماني لبعض النصوص الصوفية، التصوف هو الالتزام الكامل بالإسلام ظاهرًا وباطنًا عبر عمارة الباطن بالحقائق القرآنية والنبوية وعمارة الظاهر بالتزام الشريعة، مع التركيز على مقام الإحسان الذي عرفه الرسول الكريم بأن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فهو يراك.
والاقتداء بتربية الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم لجيل الصحابة الذين نالوا من الله عز وجل شهادات أين منها شهادات الدنيا الفانية: شهادة «رضي الله عنهم ورضوا عنه» وشهادة «يحبهم ويحبونه».
هذا هو التصوف كما هو وكما أفهمه، وكل ما لا يقع تحت هذا العنوان وينضبط بهذه المعاني فهو خارج عن الطريق، وبدع لا يرضاها الله ولا رسوله.
أما السلفية فتعني حصرًا الالتزام بكتاب الله وسنة رسوله مع نفوس عامرة بحقائق الإيمان ومرتقية في مدارج السالكين خشيةً ورضًا ومحبةً وتسليمًا وزهدًا وجودًا وإيثارًا.
وأيضًا كل ما لا يقع تحت هذا العنوان وينضبط بهذه المعاني فهو دعوى عريضة ونسبة موهمة وافتئات على السلف.
إذا كانت كلمة التصوف تثير حساسية عند بعضهم فنحن لسنا متعبدين بها، فلنقل «الإحسان»، وهو مصطلح قرآني ونبوي، أو التزكية، وأيضًا هو مصطلح قرآني.
أيضًا كلمة السلفية لم تأت نصًا، وإنما هي مشتقة من الالتزام بسيرة السلف الصالح، وهم من وصفهم الرسول الكريم بأنهم خير القرون.
من من الصوفية يعارض الاقتداء بالسلف الصالح والتتلمذ عليه؟ ومن من السلفية من لا يعترف بالإحسان والتزكية وعمارة الباطن؟
من أين أتى الخلاف؟
سؤال: فضيلة الشيخ، أنت تبسط الأمور إلى درجة غير مقنعة، فمن أين أتى الخلاف إذن بين الفريقين؟
فضيلة الشيخ: دعني أكمل كلامي.
لقد عرفنا أولًا المصطلحين وأكدنا أنهما متطابقان، وأن كل مسلم – إذا شئت – هو صوفي وسلفي بالضرورة.
ولكن الطامة تأتي مثلًا من أن بعض الصوفية لهم انحرافات وضلالات ما أنزل الله بها من سلطان، وقد شن رجال الصوفية أنفسهم حربًا على هذه الضلالات.
ولو اكتفت السلفية بنقد هذه الانحرافات وردها دون التعميم، لالتقى الفريقان على عمارة الباطن بالحقائق الإيمانية وعمارة الظاهر بأحكام الشريعة.
وفي الطرف الآخر، بعض السلفية يتعلقون بعنوان ضيق ويتركون الآفاق الرحبة.
هناك بعض الأفكار الثابتة عند بعض السلفيين يقيسون بها الناس، ويحكمون بها على كل شيء من الأقوال والأفعال والأحوال، بل وعلى كل مسلم.
فبعضهم – ولا أقول كلهم – لا يستريح لهم بال إلا إذا هدموا المذاهب الفقهية، وآخرون يصرون على تبديع كثير مما هو ليس بدعة في الأصل أو هو من قبيل البدعة الحسنة.
حتى في العقائد بعضهم يتمسك بمفهوم قد لا ينسجم مع القرآن أو السنة، ومع ذلك يتبنونه من قبيل المناكفة والمشاكسة.
وفي ظني أن أكثر الخلاف بين الفريقين هو خلاف نفسي انفعالي، بل وأحقاد أحيانًا، ولا تفهم أسباب هذه الأحقاد!
سؤال: ما الحل إذن؟
الشيخ: الحل في الإخلاص لله تعالى، والتعايش مع حسن الحوار وحسن استفادة كل فريق من الآخر.
الاختلاف قائم، ولكنه ليس بالحجم الذي يحدث كل هذا الضجيج وكل هذه الفتن.
والتعاون ممكن وهو مثمر لا محالة، مع ضرورة أن ينعطف كل اتجاه على نفسه ليخلصها من المضامين التي لا تتفق مع ما جاء به السلف الصالح.
إنني مع ضعفي أميل إلى صوفية لا تخرج عن القرآن والسنة وما صح عن السلف الصالح ولا تغالي في بعض ما يروق لها مما تراه بدعًا حسنة، وإلى سلفية تجلي أخلاق السلف وربانية السلوك.
وهل كان في السلف من يملأ ليله ونهاره بشن الغارات على من يختلف معه، صوفي أو سلفي… المهم سلفية تمثل ثبات الإمام أحمد، وعطور الحسن البصري، ورجولة ابن المبارك، وزهد الصحابة الكرام، وفدائية علي، وشدة الفاروق في الحق، ورحمة الصديق، وبذل ابن عوف.
الدعاة الجدد
سؤال: فضيلة الشيخ، ما تقييمكم لمن يسمون بالدعاة الجدد؟
فضيلة الشيخ: أولًا يجب أن نتساءل ما هو «الجديد» الذي عند هؤلاء الدعاة حتى سموا بهذه التسمية؟
هل الجدة في المضمون أم في المظهر أم في الساحة التي يتحركون بها؟ وما هي المصادر التي يستقون منها؟
ثم هل في تسمية هؤلاء بالدعاة الجدد ما يوحي بأن غيرهم دعاة قدامى أو تقليديون؟
وما هو تأثيرهم الفعلي الذي حققوه؟ وما مدى استقراره ورسوخه واستمراره؟ وما هو الميزان الذي نقيم به هذا التأثير؟
بغض النظر عن الأسماء – وكلهم ما شاء الله نجوم في عالم النجومية – وهنا أحذرهم مع ضعفي من أن تؤثر بهم هذه النجومية فتشغلهم عن الرسالة التي يجب أن يؤدوها.
فالشهرة سهم قاتل في القلب إلا من رحم ربي.
لا بد أولًا أن ندقق في المصادر أو العلماء أو المؤسسات التعليمية التي تتلمذ عليها كل واحد منهم، ولا بد أن ندقق في ضبطهم لما يقدمونه من مواد، والضبط هنا من جانب العقيدة والشريعة، ويجب ألا تقبل المساومة في هذا مهما كان الثمن.
الحق سبحانه وتعالى وصف رسوله عليه الصلاة والسلام بقوله:
{وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا}
[الأحزاب: 46]
فدل ذلك على أمرين: الدعوة إلى الله وتتطلب الرسوخ في العلم وفنون خطاب الدعوة، والإشعاع بالنور من واقع سلوك الداعية الرباني ومظهره الملتزم.
والرسوخ في العلم ضرورة للداعية، وإلا تحول الداعية إلى «إعلامي جيد» يحسن عرض بعض المعارف أو المعلومات التي قام يجمعها من هنا ومن هناك.
ولعلك ترى مثل هذا عند بعض هؤلاء الدعاة، ولا أقول كلهم.
وفن خطاب الدعوة للأفراد والجماعات على اختلافهم واختلافها ضرورة من أجل تحقيق الجدوى الراسخة والمستمرة طيلة الحياة، وهي تختلف عن فنون الجذب والإثارة.
والسلوك الرباني الملتزم ضرورة لأنه في حد ذاته دعوة وثبات للمدعو، في حين أن الاضطراب في هذا السلوك يعطب ثمرة الأمر كله.
التاء في لفظ «الداعية» هنا للمبالغة وليس للتأنيث، وهذا يعني مطلق الاهتمام والانشغال والصدق والالتزام من قبل الداعية.
من هنا لا يجوز إطلاق هذا اللفظ النفيس على من اختزل الدعوة ببعض ما جاء به الإسلام، أو تحرك حركة صغيرة في عرضه، أو قدم المرجوح على الأرجح في العقيدة والسلوك.
الإسلام ليس مجرد «قصص» أو «حكم وأمثال» أو «دعوات عامة دون تفصيل لفروعها».
والداعية لا يمكن أن يكون انتقائيًا يأخذ بجانب ويترك جوانب أخرى، كما لا يمكن أن يترخص في مسائل لا يصح الترخص فيها لحماية جاذبيته والطلب عليه.
لا يمكن القول إن الدعاة الجدد أو أكثرهم قدم مضامين جديدة.
ففي بقاع الأرض كثير من العلماء والدعاة الذين غاصوا في بحور العلم وخرجوا منها بأغلى الكنوز، وقدموها عبر نشاطهم الدعوي في الدروس أو المحاضرات، ولا ينعتون بالجدد.
ومن منا لا يعرف أبا الحسن الندوي أو محمد الغزالي أو الشعراوي؟!
إذن لنقل إن التجديد في الأساليب فحسب هو الذي أضفى هذا الوصف «الجدد» أو روجه.
لكن هل من هذه الأساليب أنهم ذهبوا إلى الناس في حياتهم أو أماكن لهوهم وانتشلوهم مما هم فيه؟
إن كان فهذا جيد، شرط ألا يكون هذا بالتقرب إلى الناس بما يشتهون وبما يألفون وإغفال ما عدا ذلك، وإلا فأي نجاح نتحدث عنه؟
لعلي أستطيع القول إن ظاهرة «الدعاة الجدد» التي روج لها الإعلام نجمت عن غفلة الناس وبعدهم عن المساجد والعلماء الذين يعمرونها.
وهنا تبرز نتيجة خطرة، هي النظر إلى كل من عدا الجدد على أنهم دعاة أو «مشايخ» تقليديون لا يصلحون لهذا الزمان.
أيضًا هناك انطباع خطر آخر قد يترك عند الناس هو أن «الدعاة الجدد» ميسرون وغيرهم معسرون، مع أن الشريعة واحدة والأحكام واحدة والقيم واحدة.
طلب العلم فريضة على كل مسلم، ولكن الأمر عند الداعية يجب أن يأخذ معنى التخصص في العلوم الواجبة عينيًا وكفائيًا من علوم الشريعة وعلوم وفنون الدعوة.
إذ لا يصح مثلًا أن يقدم داعية قصص الأنبياء بشكل جذاب ومعبر ثم لا يعرج على أحكام العبادات والمعاملات وقضايا الأخلاق والقيم وأوضاع الأمة الحالية وما يجد في ساحتها، ويغفل التوجيه السديد إلى ما ينبغي فعله إزاء ما يقع.
أيضًا لا بد من السؤال هنا: هل التغيير المطلوب القريب منه والبعيد، مع السبل الموصلة إليه، واضح في أذهان هؤلاء الدعاة؟ وهل يملكون الوسائل المشروعة الكفيلة بتحقيق ذلك، مما يوصل إلى هذا التغيير؟
هذا إن كان هاجس الداعية فعلًا هو التغيير وليس النجاح على المستوى الشخصي إعلاميًا وماديًا.
إذن لا بد من الإخلاص لمن أراد أن يشيع الإخلاص في الأمة، وبدهي أن فاقد الشيء لا يعطيه.
والإخلاص والإتقان والرسوخ في العلم لا يكون إلا بالتربية والأخذ عن العلماء، أما الكتب على جلالة منزلتها والإنترنت على سعة ميادينه فلا تصنع علماء ولا دعاة.
أيضًا هناك مشكلة العامية التي درج بعض من هؤلاء الدعاة عليها.
أعتقد أنها انحدار لا ضرورة له.
قد يقال للتقريب والنزول إلى الناس، أقول هناك برامج وأفلام للأطفال في مراحلهم الأولى عرضت بالعربية الفصحى ونجحت نجاحًا عظيمًا، فلماذا لا نرفع الناس إلى مستوى لغة القرآن بدلًا من النزول إلى مستوى عاميتهم؟
أيضًا بالعامية لا يمكن ضبط المصطلحات الشرعية والسلوكية، وهذا قد أوقع بعضهم في أخطاء تعبيرية مرعبة.
أما الشكل الظاهر للداعية والسمت الذي تقع عليه العيون، فلا شك أنه يتساهل به بعض هؤلاء الجدد بحجة أنه يجب أن يكون مما يقبله الناس.
ولكن من قال إن الناس لا يميلون إلى السنن في المظهر أو لا يألفون الملتزم بها؟
وللسنن أنوارها، وللسمت الإسلامي وقعه في النفوس والقلوب، فيجب على هؤلاء الجدد ألا يترخصوا بتركها والتنازل عنها ومن ثم إلغاؤها من أجل عيون الناس أو بعضهم.
الأزمة المالية والاقتصادية
سؤال: فضيلة الشيخ، ما تقييمكم للأزمة المالية والاقتصادية اليوم؟
فضيلة الشيخ: لا بد من تأكيد بعض الحقائق:
أولًا: التجارة مبنية على الربح والخسارة، والتاجر يوطن نفسه لكل منهما.
ثم لا بد من البحث في أسباب ما يحدث، سواء مع الربح والخسارة، ثم يوضع برنامج عقب تحديد الأسباب ليخرج الخاسر مما هو فيه.
ثم ليعلم التاجر أن الهم الناجم عن الخسارة في ميزان حسناته، وهذا يمده بالطاقة على المواجهة الجديدة في جولة جديدة، ويقيه من الانهيار الذي مس كثيرًا من النفوس.
إن الخسارة هي من باب من القدر الذي يمكن رفعه ببحث أسبابها ومعالجتها.
والدنيا دار ابتلاء، وقد قال الحق سبحانه:
{ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون}
[الأنبياء: 35]
والذي تنضح به هذه الآية أننا في دار الاختبار بكل ميادينه، في الشدة والرخاء والمنع والعطاء.
ثم إننا راحلون… فلا الخير هنا يبقى ولا الشر، وإنما يرحل الإنسان إلى دار الآخرة بمواقفه من كل منهما.
والرضا بالأقدار بعد وقوعها من المراضي التي دعت إليها الشريعة، وهو مظهر وتجسيد لقولنا: رضينا بالله ربًا، أي مصرفًا للأقدار ومنزلًا للأحكام.
فإذا ثبتت هذه الحقائق انتقلنا إلى الضرورة الملحة، وهي أن ينهض أهل الخبرة من هذه الأمة لتحقيق الاستقلال الاقتصادي الذي يقي المجتمع من الهزات التي تقع في ديار الآخرين.
قضية فلسطين
سؤال: فضيلة الشيخ، مر على نكبة فلسطين ستون عامًا وما زلنا في انحدار مستمر، ماذا يمكن أن تقولوا في هذا؟
فضيلة الشيخ: أولًا إن التشرذم الفكري والصدامي أخطر علينا من العدو المحتل؛ لأننا بسبب هذا التشرذم تحولت قضية فلسطين من قضية إسلامية أو عربية إلى قضية فئات من الفلسطينيين.
لا بد هنا من وقفة صادقة مع الذات، ولا بد من مراقبة للنفس ومحاسبة لها والبحث المخلص عن الأسباب التي أوصلتنا إلى ما نحن فيه وعلى كل المستويات، من أجل الوصول إلى وضع العلاج الناجع والناجح.
لكن هذا يعكر عليه التفكك والانقسام والاختلاف حتى في طريقة تناول الموضوع وتشخيصه، ولعل هذا يحتاج إلى توحيد مرجعيات أو التقريب بينها مع الإخلاص.
لا يوجد حل واحد وبسيط للمشكلة، ذلك أن الأمر متعلق بواقع الأمة ككل.
والتاريخ مدرسة عبقرية لمن أحسن قراءته.
ألم يبق بيت المقدس بيد المحتل عشرات السنين ثم استعاده صلاح الدين إلى حضن الأمة؟ وفي الجزائر كم بقي المستعمر وكيف دفع ثمن خروجه؟
إن المحتل في فلسطين لم يستطع اقتلاع الشعب كما في أمريكا مع الهنود الحمر وأستراليا.
لقد ثبت هذا الشعب وجدد مقاومة الاحتلال دائمًا وبدون كلل أو ملل.
ولكن للتحرير سبل يجب أن ترافق هذا الصمود: سبيل الإسعاف مع كل نازلة وعدم التقصير بحق إخواننا، وسبيل تربية الجيل الذي خرج منه صلاح الدين وألف منه جيشه.
والعدو قد فهم هذا أكثر من بعض المسلمين، فراح يجهض أي تربية من هذا القبيل.
ومع ذلك أقول: العاقبة للمتقين، وسيقرأ الجيل القادم ملحمة تطهير الأرض من مدنسيها ورفرفة علم الحرية في سمائها، بيد من اجتمعت قلوبهم على الحق وصفت صفوفهم من الوهن وهزال الانتماء وألاعيب السياسة.
