السبت 6 ربيع الآخر 1448 هـ - الموافق 19 سبتمبر 2026م

تفسير قوله عز وجل (ذلك أدنى أن يُعرفن فلا يؤذين)…

نرجوا أن تعطونا إضاءة حول معنى قوله عز وجل (ذلك أدنى أن يُعرفنّ فلا يؤذينّ ) ‏[‏الأحزاب‏:‏ 59‏]‏‏.

بسم اللــــه الرحمن الرحيــم

الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى…..وبعد

قوله – تعالى -: ( ذلك أدنى أن يُعرفنّ فلا يؤذينّ) جاء في سياق أمر الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم أن يأمر أزواجه – وبناته ونساء المؤمنين – بإدناء الجلابيب عليهن …

إدناء الجلابيب :

الجلباب : الملاءة أو العباءة تكون فوق الدرع السابغ الطويل ، فهو ثوب يستر جميع البدن تلبسه المرأة فوق ثيابها ، وعماد أقوال العلماء في الجلباب مع اختلافها هو أنه الثوب الذي يستر به البدن .

يدنين : يرخين على وجوههم الجلباب حتى ما يبدو من المرأة إلا عين واحدة تنظر بها الطريق إذا خرجت لحاجة ، فالإدناء تغطية الرأس من فوق خمارها ..

كان النساء في المدينة لا يخرجن لقضاء الحاجة إلا ليلاً ، وقد أمرن بلبس الجلباب في كل خروج ليعرفن ، وهذا من باب سد الذريعة .

لبس الجلباب من شعائر الحرائر، فالإماء لا يلبسن الجلابيب ، فجعل الستر فرقا به يعرف الحرائر من الإماء .

الخروج دافعه أنه لم يكن لهن مراحيض في البيوت .

الإيذاء من الفساق كان بصورة التحرش الكلامي والغمز والكلمة السفيهة وهم يقصدون على عادتهم الإماء لا الحرائر .

كان عمر –رضي الله عنه- مدة خلافته يتابع أمر ألا تتشبه الأمة بالحرة ، ويخفق بالدرة من يراها أمة قد تقنعت ، وهذا من السياسة الشرعية ، ثم زال هذا بعده .

وقد كان فعل عمر كان من السياسة الشرعية ، وفيه زجر لأنه كان يخشى من التشبه بالحرائر في اللباس والزي أن يعتدن الرقة ويضعفن عن الخدمة والعمل وتكثر مؤنهن على سادتهن ، وأمر تبذل المرأة في لباسها حين الخدمة معروف واضح .

عن أم سلمة –رضي الله عنها- لما نزلت هذه الآية :"يدنين …" خرج نساء من الأنصار كأن على رؤوسهن الغربان من أكسية سود يلبسنها .

وقد ذكر المفسرون سبب نزول الآية من سورة "الأحزاب" أن نساء أهل المدينة كن يخرجن بالليل لقضاء حاجتهن خارج البيوت ، وكان بالمدينة بعض الفساق يتعرضون للإماء ، ولا يتعرضون للحرائر ، وكان بعض النساء يخرجن بزي لا يتميز عن زي الإماء، فيتعرض لهن أولئك الفساق بالأذى ظنا منهم أنهن إماء ، فأمر الله نبيه –صلى الله عليه وسلم- أن يأمر أزواجه وبناته ونساء المؤمنين أن يتميزن في زيهن عن زي الإماء ، وذلك بأن يدنين عليهن من جلابيبهن ، فإذا فعلن ذلك ، ورآهن الفساق علموا أنهن حرائر ومعرفتهم بأنهن حرائر ، لا إماء ، وهو معنى "ذلك أدنى أن يعرفن" فهي معرفة بالصفة "التي دل عليها إدناء الجلباب" لا بالشخص .

وأنت خبير أن في هذا المسلك تحجيم لشر الأشرار بهذا الأسلوب ، بناء على أن الحرة لها من ينصرها ، ويخشاه من سولت له نفسه شرا تجاهها …

وبدهي أن الحرائر أكثر بكثير من الإماء .

ولك أن تقف على ما يكون ممن يعتدي على موظف حكومي ، فإن الاعتداء أشد ، ولا يعني هذا إباحة الاعتداء على من سواه ممن ليس موظفا ، فلباس الموظف لما يشعر أنه منسوب للحكومة يرهب النفس التي تتطلع إلى إيقاع الأذى به ، ومن المعروف أن الاعتداء على الشرطي أشد من الاعتداء على غيره ، فهذا كما ترى من باب تقليم أظافر الشر، حيث تحجم عن الامتداد إلى ما يقتلعها ، ولد يسوغ لها أن تمتد إلى غيرها أي : إلى الإماء بنص آخرغير هذا النص …

ثم قضية معالجة الشريعة لأمراض اجتماعية من أدق القضايا التي سلكها التشريع فنجح أروع نجاح ، وما أمر تحريم الخمر بمراحله بالمجهول .

وبدهي أيضا أنه ليس المراد منه أن تعرض الفساق للإماء جائز بل هو حرام أيضا ، ذلك أن المتعرضين لهن هم ممن في قلوبهم مرض ، وأنهم يدخلون في عموم من أنذرهم الله تعالى بقوله :"لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم …" إلى "وقتلوا تقتيلا" .

أيفهم مما سبق أن الشريعة قد أهملت أمر الإماء ولم تعتن بما ينالهن من الإيذاء من قبل ضعاف الإيمان مع أن في ذلك من الفتنة ما فيه ، فهلا كان التصون والتستر عاما في جميع النساء ، إن الإشكال يطرأ من سياق الآية الأولى ، حيث يعمل فيه بمفهوم المخالفة ، وفيه أنه إن خصصنا الحرائر فكأنا أبحنا الإماء ، وحكمهن المخالفة هنا لا يسري إذ النهي عن الإماء والتعرض لهن ثبت بنصوص كثيرة اخرى ، وهذا راجع إلى توظيف الشريعة وهي بصدد بناء المجتمع النظيف ، الأعراف السائدة ، ولا يخفى ما جاء في الربا من النهي عن أكله أضعافا مضاعفة أنه لا يسري عليه أيضا مفهوم المخالفة ، فلا يقال يجوز الربا القليل!!!!!..

وعليه فدفع ضر الفساق عن الإماء لازم ، وله أسباب أخرى ليس منها إدناء الجلابيب ، فصار دفع الأذى عن كل من الحرائر والإماء بنصوص مختلفة.

وقضية الإدناء اقتصرت على الحرائر لأن الإماء بطبيعة عملهن يكثرن الخروج والتردد في الأسواق لقضاء حاجات البيوت ، وتكليفهن بلبس الجلباب السابغ كلما خرجن فيه حرج ومشقة ، بخلاف الحرائر فإنهن مأمورات بعدم الخروج إلا لمصلحة ، وقد نهى كتاب الله عن إيذاء المؤمنين والمؤمنات جميعا ، سواء منهن الحرائر والإماء ، وتوعد المؤذين لهن بالعذاب المهين . وهذا من ترتيب أوضاع الشريعة البين .

قال العلماء :"كثرة التردد في الأسواق ومحال البياعات في خدمة سادتهن وقضاء مصالحهم ، فإذا كلفن أن يلبسن الجلباب السابغ كلما خرجن كان فيه حرج ومشقة ، ولقد راعى الشارع الحكيم هذه الحال ، فنهى الناس بعامة عن أن يؤذوا المؤمنين والمؤمنات جميعا ، سواء الحرائر والإماء . وتوعد من يؤذي بعذاب أليم" ولذا قال المفسرون : نزلت الآية بعد أن استقر أمر الشريعة على وجوب ستر العورة ، فيكون الستر –هنا- المكرر به زائدا على ما يجب من ستر العورة ، إذ الجلباب كما بينت هو ثوب سابغ فوق الثياب الساترة ، كالملاءة المعروفة في عصرنا …وأسوق ختاما ما جاء عن أبي حبان الأندلسي من أنه اختار وجها غير الذي سلكه جمهور المفسرين ، واعتبر الأمر بإدناء الجلباب موجها إلى النساء بعامة الحرائر والإماء ، واعتبر قوله تعالى :"أن يعرفن" أي بالعفة والتصون ، لا بكونها حرة أو أمة ، فلا يتعرض لهن على سواء ، ذلك أنه إذا بالغت المرأة في التستر والتعفف قطعت طمع اهل الفساد ، وقد علق أحد العلماء المعاصرين على ذلك بقوله :"وهو رأي تبدو عليه مخائل الجودة"…

أرجو أن أكون قد وضحت شيئا عن السؤال المطروح .

شارك المحتوى

تابعنا على Facebook

تابع أحدث أخبار ومقالات فضيلة الشيخ عبد الكريم تتان

#استقبال المدينة للرسول هللي يا ربا المدينة واهمي بسخي الأضواء والأنداء واطلقيها الله أكبر حتى ينتشي بها كلُّ كوكب وضاء وأعلنيها للكون أن رسول الله لآت لصحبه الأوفياء(1)- (1) من الذاكرة التي شاخت وأعتذر إن كنت أخطأت ...
View on Facebook (opens in a new tab)
#نصح من واعٍ* يقول الناصح: " لَا تَشْرِينَّ مَشْرَى صَفْوٍ يُكَدَّرُ"- كلمة "شَرَى" تقال لمن اشترى أو : باع، وهي في قوله -تعالى- {وشَرَوْهُ بثَمَنٍ بَخْسٍ} تعني باعوه* مضرب المثل: يضرب لمن يستبدل خيراً بشر- [صَفا] - صفوًا وصَفاءً-: خلص من الكَدرِ- [الكَدَرُ]: نقيض الصفاء* وقيل في تعبير رؤيا صيد السمك: صيد السمك من الماء الكدر همٌ شديد ، ومن الماء الصافي رزق ...
View on Facebook (opens in a new tab)
#وصول ركب النبوة الى المدينة* سَمِعَ الْمُسْلِمُونَ بِالْمَدِينَةِ بِمَخْرَجِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- مِنْ مَكَّةَ، فَكَانُوا يَغْدُونَ كُلَّ غَدَاةٍ إِلَى الْحَرَّةِ، فَيَنْظُرُوهُمْ حَتَّى يَرُدَّهُمْ حَرُّ الظَّهِيرَةِ، فَانْقَلَبُوا يَوْمًا بَعْدَ مَا أَطَالُوا انْتِظَارَهُمْ، فَلَمَّا أَوَوْا إِلَى بُيُوتِهِمْ أَوْفَى رَجُلٌ مِنْ يَهُودَ عَلَى أُطُمٍ مِنْ آطَامِهِمْ لِأَمْرٍ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَبَصُرَ بِرَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَأَصْحَابِهِ مُبَيَّضِينَ يَزُولُ بِهِمُ السَّرَابُ، فَلَمْ يَمْلِكُ الْيَهُودِيُّ أَنْ قَالَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا مَعْشَرَ الْعَرَبِ هَذَا جَدُّكُمُ الَّذِي تَنْتَظِرُونَ، فَثَارَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى السِّلَاحِ، فَتَلَقَّوْا رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- بِظَهْرِ الْحَرَّةِ فَعَدَلَ بِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ حَتَّى نَزَلَ بِهِمْ فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ وَذَلِكَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِعلى الطريق : فَأخبر عُرْوَةُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَقِيَ الزُّبَيْرَ رضي الله عنه فِي رَكْبٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا تُجَّارًا قَافِلِينَ مِنَ الشَّامِ، فَكَسَا الزُّبَيْرُ رضي الله عنه رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَبَا بَكْرٍ ثِيَابَ بَيَاضٍ(2)* رصد الشيخ يوسف النبهاني المشهد فصدح بقوله: هللي يا ربا المدينة واهمي بسخي الأضواء والأنداءواطلقيها الله أكبر حتى ينتشي بها كلُّ كوكب وضاء وأعلنيها أن رسول الله لآت لصحبه الأوفياء(1)- (1) من الذاكرة التي شاخت وأعتذر إن كنت أخطأت - (2) ذكره ابْنُ شِهَابٍ ...
View on Facebook (opens in a new tab)
#الغذاء يصل عبر شريان الماء** بم يشي هذا المشهد الفاخر! - شريان الأبهر المائي وقد انسابت فيه المياه الزرقاء يتمدد بين صفوف الأشجار التي انتصبت شامخة بهجة بالسقيا ! - يتقن الشجر الرضاع من أثداء النهر المترقرق بصمت مدهش! - أوقفتَ يوماً على بديع صنع الله في شبكة القنوات المذهلة داخل جسمك ، وما فيها من تدفق النجيع الأحمر !? * أسمعتَ الوحي المبارك ينزل بقوله -تعالى-: {وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ (20) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ (21)} سورة الذاريات ...
View on Facebook (opens in a new tab)
#أنت وحدك وحدك تنجي- احتراق العاشق يحكي شقائق النعمان!- رجاء الأخذ هنا لهب الحريق!من قلب جمر العشق اللاهب تنطلق الكلمات مدوية صارخة في وجه الغافلين أن أفيقوا من تجمد المشاعر أفيقوا:أرنو إليك... و روحي مسها أرق ،،،و القلب من لوعة الأشواق محترق ،،،خذني إليك ؛؛؛ فإن العشق أغرقني ،،،و أنت وحدك تنجي من به غرق ،،، ...
View on Facebook (opens in a new tab)