الثلاثاء 22 جمادى الأولى 1448 هـ - الموافق 3 نوفمبر 2026م

سيدة فاضلة تشكو من حالة فراغ نفسي مقلق، جرَاء جفاف…

سيدة فاضلة تشكو من حالة فراغ نفسي مقلق، جرَاء جفاف العلاقة العاطفية بالزوج، وتذوق من هذا الفراغ طعم شقاء مر، وتهاجمها خواطر رديئة مؤلمة، فهل من مخرج؟

بسم الله الرحمـــــن الرحيــم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

سيدتي الفاضلة

تحية طيبة أبدأ بها خواطري تجاه رسالتك التي تكفلت- على صغر حجمها- ببيان ما عليه حالة الكاتبة بعمق وصدق

إن وضعك محدد بمطالب محددة من الأب والزوج، وإعلان الرغبة فيها، من وراء ما يحيك في الصدر من مشاعر وتوجهات، كأنك تقولين:إن لم يعطني زوجي فهناك من أرجو منه ذلك، والغوص في تاريخ النشأة من هذا الضرب.

إن ما يلح على النفس من هذه المطالب من وراء الغفلة عن كثير من المؤنسات:كالانتهاء من التعليم، والبداية الراشدة للزواج، والإنجاب، والعمل، ورعاية الأسرة، وقد تمكن ألم فقد تلك المشاعر التي تدندنين عليها من إسدال الستار على هذا كله، مع أن الأولاد- وحدهم- قرة عين، ويلبون مشاعر في المرأة ناضجة، خاصة إذا بلغت عمرا معينا، بمثله- الأربعين- كان يأتي الوحي للأنبياء عليهم السلام.

صدقك مع نفسك، وثباتك على الاستقامة، نعمتان كبيرتان، ذلك أنك لم تتهاو أمام تلك المشاعر الضاغطة، بل أنت خبيرة ممتازة أمام تقييمها، وكشف زيفها، وسعادة النفس –سيدتي الفاضلة- لا تحصر فيما تطلبين، حتى إذا لم يتحقق كان الشقاء، بل مصادر السعادة عديدة ، وأثبتها وأصدقها وأبقاها ، حالتنا مع الله- تعالى- وإني أحمد الله إليك أن صدرك مفعم بكثير من المعاني الطيبة الأصيلة في هذا المجال.

هذا الكون خلق الله – تعالى – ونحن في هذه الدار مختبرون، والسعيد من نجح في الاختبار، وأرى أنك ناجحة أيما نجاح، ولا يعكر عليه ما أنت فيه، بل هو لب اختبارك في الحقيقة، وقد سئل أحد المربين أيهما أفضل:من لم يبتل فصبر أم من ابتلي وصبر؟ فأجاب أن من مر بمحنة وتماسك أمامها أفضل وتلا قوله- تعالى- "أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى، لهم مغفرة وأجر عظيم" وقد جاء عن الرسول- عليه الصلاة والسلام- "أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل…"

أرى- يا سيدتي الفاضلة- أنك بما ذكرت تُحاشين إلى الله- تعالى- لتقومي بدورك الرائع في الحياة كما صورت، والقلب ليس له هم إلا هم السيدة رابعة ، حيث قالت في مناجاتها:أحبك حبين، حب الهوى، وحبا لأنك أهل لذاكا…. وتقصد بحب الهوى حب الفطرة، وبالحب الثاني حبه لكماله وجلاله وجماله سبحانه، وإذا أوحشك الله ممن حولك، فليوجه قلبك إليه، لأن حبه هو الحب الحقيقي…

سيدتي لا تجعلي ما يعرض على الشاشة- ولو لم تكوني تشاهدينها- مطمحا تريدين تحقيقه، فالممثلون يمثلون فحسب، ولعل أشقى البيوت خارج التمثيل بيوتهم، فهم يؤدون أدواراً ابتغاء الشهرة والمال… واجعلي منك مثل تلك المرأة، وكانت جميلة وزوجها دميم، مطمحا نرنو إليه، حيث سئلت:كيف قبلت على ما أنت عليه بهذا الزوج؟والسائل كأنه أراد أن يخرجها عن هدوئها النفسي بزوجها، فكان جوابها جواب العارفة بشؤون الحياة التي ملئت بالأسرار:وما أدراك لعل الله رأى فيه خيرا، أوقد قام بعمل خير، فساقني إليه حسنة من حسناته، ولعله- سبحانه- رأى مني سيئة ما، فساقه إليّ، ولعل روح الموقف هو المطلوب، وروحه هنا: تعلّقَ بصرُها على زوجها، فرضيت به على ما هو عليه، سيدتي الفاضلة إن البيت الذي خلت غرفه من مشاعر المحبة التي تعبر عنها كلمات معسولة، لا يعدم أبدا مساحات من الود والرحمة والسكن تغطي أنفاس أهله، ومن فقد عضواً من أعضائه يبقى له ما يعيش به، ويؤدي مهمته في الحياة التي تتجلى في أننا راحلون لا محالة مهما طال مكثنا، وأن دار المقامة هي المأوى، وهناك لا نصب ولا تعب، ولا مشاعر جريحة، ويمكن بحكمة بالغة طي الأهداف الصغيرة في الهدف الكبير. ولنفترض هنا أن الزوج قد مات، أو أن المرض قد حط رحاله في الجسد، أو أنا قد حرمنا الذرية، أو بقينا بلا زواج، أو أن الزوج كان مشاكسا ، لا بارد العواطف فحسب، فما الحل؟ لا شك أن العاقل يحسن التعامل مع كل حال من هذه الأحوال، ويلبس لها لبوسها المناسب، ويبقى قلبه عامرا بالأنس بالله القائل "ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص…"

النفس الصافية- يا أختنا- تلتقط ذرة من ذرات الغبار، وقشة مهما صغرت في كأس ماء، وهاأنت تذكرين أنك تتجهين بقوة إلى ما تتجهين إليه رغبة فيه أن يعوض ما تفقدين، وأنت على يقين بأنه باطل، و بأنه هواء، وبخار، وسراب، فلم إذن لا نغذي هذه الرؤية الصحيحة، بالالتفات إلى مسرد النعم فينا،وما أكثرها! ثم الانشغال بعمارة الصلة بالله، ولعل الإكثار من الذكر كفيل بهذا النهوض، وإذا كنت على استعداد، وأظنك عليه كما فهمت من رسالتك، فإني سأبين لك مجموعة من الأذكار البانية الهادمة، تبني الجسور مع عالم النور، وتهدم كل القواطع، وتزيل كل ما يعكر الصفاء المنشود، بناء على قوله –تعالى- "ألا بذكر الله تطمئن القلوب" وتبعد عن الأحوال التي نحصر أنفسنا فيها، فتنحصر، وتضيق علينا صدورنا، ونقترب من "يكاد يقودني للجنون" وفهمك- سيدتي- كما نضحت به الرسالة كفيل بأن يرقى بك إلى فضاءات من الراحة النفسية، والأسر الروحي الأخاذ، فتجدين السعادة منابع سعادة، لا منبعا واحدا…

شارك المحتوى

تابعنا على Facebook

تابع أحدث أخبار ومقالات فضيلة الشيخ عبد الكريم تتان

#قولهم : شَيْخٌ فانٍ* معناه : شيخ قد نَفِدَ عمره ، والفناء عند العرب نفاد الشيء قال الشاعر: كَتَبَ الفناءَ على الخلائقِ ربُّنا وهو المليكُ وملكُهُ لا ينفدُ - وعُمر الرجلُ : طال عمره بالتخفيف- والعُمر- بالضم - والعَمر -الفتح -: البقاء ، إلا أن الفتح غلب في القسم ، ولا يجوز فيه الضم* في القاموس جاء في الحديث النهي عن قول: لعمر الله - وفي الراغب العمر دون البقاء لأنه اسم لمدة عمارة البدن بالحياة* والبقاء ضد الفناء ، ولهذا يوصف الباري بالبقاء ...
View on Facebook (opens in a new tab)
#نظرة حكيم في التدبير*عَنْ الأحنف بن قيس: لَا يَتِمُّ أَمْرُ السُّلْطَانِ إلَّا بِالوُزَرَاءِ وَالأَعْوَانِ، وَلَا يَنْفَعُ الوُزَرَاءُ والأعوان إلَّا بِالمَوَدَّةِ وَالنَّصِيْحَةِ، وَلَا تَنْفَعُ المَوَدَّةُ وَالنَّصِيْحَةُ إلَّا بِالرَّأْيِ وَالعِفَّةِ. ...
View on Facebook (opens in a new tab)
#قنطرة المظالم يوم الحساب* حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "يخلص المؤمنون من النار، فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هذبوا ونقوا، أذن لهم في دخول الجنة، فوالذي نفس محمد بيده، لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة منه بمنزله كان في الدنيا".* وفي الآية: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ}(1) * حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - "يخلص" أي: ينجو:" المؤمنون من" السقوط في "النار" بعدما يجوزون الصراط، "فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار"- قيل: إنها صراط آخر، وقيل: إنها من تتمة الصراط، وإنها طرفه الذي يلي الجنة- قال الحافظ: لعل أصحاب الأعراف منهم على القول الراجح، "فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا" - (1) [الحجر: 47]- البخاري ...
View on Facebook (opens in a new tab)
#مفهوم حلق الذكر في الحديث* عن أنس ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :"إذا مررتم برياض (1) الجنة فارتعوا (2) . قيل : يا رسول الله ما رياض الجنة ؟ قال : حلق الذكر"- مفهوم حلق الذكر: تشمل مجالس العلم، وتلاوة القرآن، وتدبر معانيه، ومعرفة الحلال والحرام.- وهي مجالس يجتمع فيها المسلمون لذكر الله تعالى، وتلاوة القرآن الكريم، ومدارسة العلم الشرعي * في الحَديثِ يُشبِّهُ النَّبيُّ -صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم- هذه المجالِسَ برِياضِ الجنَّةِ، حيث يقولُ: "إذا مرَرتُم برِياضِ الجنَّةِ"، والرِّياضُ هو المكانُ الَّذي به خُضرةٌ وزهرٌ، شبَّهه برِياضِ الجنَّةِ؛ لِمَا يَحدُثُ فيها للجالِسين مِن راحةٍ وطُمَأنينةٍ في القلوبِ؛ لِمَا فيها مِن ذِكرِ اللهِ- "فارْتَعوا" وصية بحرِص المسلِم على أنْ يحصد مِنها كلّ خيرٍ، والحثُّ على لزوم مَجالسِ الذِّكرِ؛ لِمَا فيها مِن الخيرِ للنَّاسِ. * رياضُ الجنَّةِ؟، حِلَقُ الذِّكرِ، والحِلَقُ هي جَماعةُ النَّاسِ يَجتمِعون على شَكلِ الحَلْقةِ يَذكُرون اللهَ ويَتْلون كِتابَه، ويتَعلَّمون العِلمَ فإذا رأَيتُم هذه الحِلَقَ فاغتَنِموا ما فيها، وكونوا حَريصين على ما فيها مِن ذِكرٍ، وتعلُّمٍ للعِلمِ.مَجالِسُ العلمِ وحِلَقُ الذِّكرِ فيها حياةٌ للقلوبِ وطهارةٌ للنُّفوسِ وسبيلٌ للسَّعادةِ في الدَّارَين؛ لأنَّها تُعرِّفُ باللهِ وتُقرِّبُ منه، وفيها تعليمُ صحيحِ الدِّين. (1) الرياض : جمع الروضة وهي البستان(2) الرتع : الاتساع في الخصب والمراد : الإكثار من ذكر الله ...
View on Facebook (opens in a new tab)
#أم المؤمنين الصديقة بنت الصديقحبيبة الحبيب على الصلاة والسلام * أسوق هذا النص من ألف نص مماثل بعد أن تابعت نكرات يتكلمن عن أم المؤمنين عائشة ، وبينهن وبينها قرابة الف سنة ضوئية ، فكن لمنزلة الصديقة ينفلقن غيرة حيث إنها تحمل شهادة جامعية عليا ، ولم تنل من السمعة ما طمعت فيها ، فرات نفسها في الحياة أقل من " عفطة سخلة عجفاء في الصحراء" فصاغت لها غيرتها القاتلة شخصية ظنتها من غارت منها ، فلها أوقدتُ هذه الشمعة من سيرة مشرقة علّ عمى التي غارت يزول عنها وتعود لها رؤيتها!!عسى!! ** يقينا من تحدث عن الصديقة أم المؤمنين ههنا أدرى بها ممن قرأ وريقات ونال بها الشهادات ، لأنه أقرب زماناً ومكاناً وبريء من تزوير حط في رحاب التاريخ من قبل الضالين! * عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: كَانَ إِذَا حَدَّثَ عَنْ عَائِشَةَ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهَا، قَالَ: حَدَّثَتْنِي الْمُبَرَّأَةُ الْمُصدَّقَةُ بِنْتُ الصِّدِّيقِ، حَبِيبَةُ حَبِيبِ اللَّهِ - قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: فَكَانَتْ تُحْسِنُ الْفَرَائِضَ؟ - قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ أَكَابِرَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَسْأَلُونَهَا عَنِ الْفَرَائِضِ"- الزهد والرقائق لابن المبارك ...
View on Facebook (opens in a new tab)