الثلاثاء 22 جمادى الأولى 1448 هـ - الموافق 3 نوفمبر 2026م

كيف رسم الإسلام العلاقة بين الجيران؟

كيف رسم الإسلام العلاقة بين الجيران؟

نعمة الإسلام و تعاليمه الجامعة لكل شؤون الحياة و، والصالحة لكل زمان و مكان ، أعظم ما تفضل به الله تعالى على البشرية قاطبة بعد نعمتي الإيجاد و الإمداد .

بها يحقق الناس أرقى حياة إنسانية و أسعدها ، حياة تقوم على المودة و الرحمة بين الأقارب ، و على التآلف و التعارف وتبادل المنافع و الخيرات فيمن سواهم ، و على التعاون البناء في ميادين البر و التقوى بعامة ، و التماسك و التساند أمام أحداث الحياة .

لقد جاءت الشريعة الإسلامية ترسم الصورة الربانية لهذا كله ، و تحث على كل ما من شأنه تقوية الأواصر بعد إقامتها بين أفراد المجتمع ، و تنهى أو تحذر من كل ما يوهي أو ينسف تلك الروابط ، و مسألة الجار و الجوار مما اعتنت به عناية بالغة ، و صورت المجتمع الملتزم بها جسداً واحداً ، ينبض بالحياة و المشاعر ، و يضج بالحركة البناءة ، و يحتشد إزاء ما يمتن لحمة المجتمع ، و يزيد همه ، و بغيث ملهوفة ، و ينصر مظلومة ، و يرشد ضاله !.

و الجوار الصالح هو الامتداد الراسخ في المجتمع إلى جانب الكيان الأسري المتماسك المتحاب ، و به تتحقق المدينة الفاضلة المنشودة التي ظلت حلو العقلاء و لا تزال ، المدينة التي تقرب المحبة بين سكانها ، و تحقق السلوكيات الربانية روابطهم ، يشيع الأمن ، و تعم السعادة بين ربوعها.

و لك قبل عرض بعض النصوص أن تستمع معي إلى جواب عدد من سكان عمارة شاهقة حققت بارتفاعها وجوداً عمرانياً يبهر ، سئلوا عن ساكن معهم في تلك العمارة : أتعرفونه ؟. فاتفق الجميع لا يعرفونه ، بل ، و لا يعرف واحد منهم الآخر ، مجموعة تفصل بينهم جدران ، و لا تربط بينهم أي رابطة ؟. كم هي غربة موحشة داخل عمارة تعج بالناس ؟ و الآن _ ودون استقصاء _ أعرض بعض ما جاء في تعاليم الشريعة الغراء الني أنزلها رب الأرض و السماء ، ما يدور في دائرة إقامة علاقات إنسانية ، و في إطار حياكة الأواصر أن تتقطع ، و ما جاء من التحذيرات التي تضعف أو توهي أو تنسف حقوق الجار ، و من لطائف ما حوته خزانة الثقافة الإسلامية ( أن الجار قبل الدار ) و في هذا إبراز لقيمة إنسانية عالية غالية رفعت الإنسان في بحثه عن علاقاته أن يقدم المكان على الإنسان ، و الطريف _ هنا _ أن غواصاً في بحار القرآن لمح هذا المعنى الرفيع في تضرع من ضربها الله مثلين للذين آمنوا حيث قالت : ( رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ) . فقدمت العندية على البيت المطلوب فالتهنأ في جوار الرب تعالى ، حيث " مقعد صدق عند مليك مقتدر " .

في شأن القادر على التحصيل العلمي ، جاء عن عمر _ رضي الله عنه _ : (……و كان لي جار من الأنصار فكنا نتناوب النزول إلى رسول الله _ صلى الله عليه و سلم _ فينزل يوماً و أنزل يوماً ، فيأتيني بخبر الوحي و غيره ، و آتيه بمثل ذلك .

و في إطار إيصال النفع للجار دون مضرة : جاء في صحيح البخاري : ( لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبه في جداره ) .

و ترسيخاً لمعنى الجوار تقرر حق الشفعة على تفصيل فيه ، فعن سمرة المرء _ كما هو في المستند _ أنه _ صلى الله ليه و سلم _ قال : ( الجار أحق بالجوار أو بالدار )

و ربطاً للإيمان مع الجار قال المصطفى المختار : والله لا يؤمن _ وأعادها ثلاثاُ_ قالوا : و ما ذاك يا رسول الله ؟ الجار لا يأمن الجار بوائقه ، قالوا : و ما بوائقه ؟. قال : شره.

و توجيهاً إلى تلمس الجار الصالح جاء عن نافع بن عبد الحارث : من سعادة المرء الجار الصالح…… و دعوة إلى احتمال ما يمكن أن يصدر عن الجار جاء عن أبي ذر – رضي الله عنه – قال رسول الله _ صلى الله عليه و سلم _ : ثلاثة يحبهم الله و ثلاثة يشنؤهم الله عز و جل ….و الرجل يكون له الجار يؤذيه جاره فيصبر على أذاه حتى يفرق بينهما موت أو ظعن .

و حرصاً على اختيار الجار جاء : ( شؤم الدار جار السوء ) . رواه البيهقي عن معمر .

و قد قال الرسول _ صلى الله عليه و سلم _ : ( من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فلا يؤذ جاره ).

و على نشر الخير و محبته بين الجيران قال : ( و الذي نفسي بيده لا يؤمن عبد حتى يحب لجاره _ أو قال لأخيه _ ما يحب لنفسه ).

و في بيان حدود الجوار أرسل الرسول أبا بكر و عمر و علياً يأتون المسجد : فيقومون على بابه ، فيصيحون : ( ألا إن أربعين داراً جار ، و لا يدخل الجنة من خاف جاره بوائقه ) . " و لاحظ هنا أن الخوف من شروره دون وقوعها يحرمه الجنة !"

و عن أنس _ عن الرسول _ صلى الله عليه و سلم _ : ( من آذى فقد آذاني ).

و قد رسمت النصوص أبعاد العلاقة بين الجيران ، فعن عمر بن شعيب عن أبيه عن جده ، أتدري ما حق الجار ؟. ( إذا استعانك أعنته ، و إذا استقرضك أقرضته ، و إذا مرض عدته ، و إذا أصابه خير هنأته ، و إذا أصابه مصي

بة عزيته ، و إذا مات اتبعت جنازته ، و لا تستطل عليه بالبنيان فتحجب عنه الريح إلا بإذنه ، و لا تؤذه بقتار ريح قدرك إلا أن تغرف له منها ، و إن اشتريت فاكهة فأهد له ، تفعل فأدخلها سراً ، و لا يخرج بها ولدك ليغيظ بها ولده ) . رواه الخرائطي في مكارم الأخلاق .

أرأيت أحكم و أعمق من تلك التوجيهات التي تغلق أبواب الشر و تفتح كل أبواب الخير ، إن الشريعة التي دعت إلى إيصال كل نفع ممكن ، و منع كل أذى متصور ، والوقوف إلى جانب الجار في احتمال الأذى ، و ليس كفه عنه فقط ، من حقوق الجار على الجار ، أن تبدأه بالسلام ، و تعوده في المرض و تعزيه عند المصيبة ، و تهنئه عند الفرح ، و لا تتجاوز عن زلاته ، و تغض عن محارمه ، و تحفظ عليه داره إن غاب ، و تتلطف بولده ، و ترشده إلى ما يجهله من أمر دينه و دنياه .

و هذه ليست قاصرة على الجار المسلم !. إنما قال الإمام أحمد : ( الجيران ثلاثة ، جار له حق ، و هو الذمي الأجنبي ، له حق الجوار ، و جار له حقان : و هو المسلم الأجنبي له حق الجوار و حق الإسلام ، و جار له ثلاثة حقوق ، و هو المسلم القريب ، له حق الجوار و حق الإسلام و حق القرابة ). و أقرب الجوار الباباً هو أولى بالجوار بالرعاية .

قالت عائشة – رضي الله عنها – : ( يا رسول الله ؟ إن لي جارين ، فأيهما أدي ؟. قال : إلى أقربهما منك باباً ) أخرجه البخاري .

هذا ، و قد قال رسول الله _ صلى الله عليه و سلم _ فيما رواه ابن عمر عنه : ( كم من جار متعلق بجاره يقول : يا رب سل هذا لم أغلق بابه ، و منعني فضله ؟! ) .

و قد حدد النص سلوك جار السوء بأنه إن رأى خيراً دفنه ، و رأى شراً أذاعه .

و عن أنس قال رسول الله _ صلى الله عليه و سلم _ : ( ما آمن بي من بات شبعان و جاره جائع إلى جنبه ، و هو يعلم ) . رواه الطبراني ، و في هذا من التكافل الاجتماعي ما عجزت كل الأنظمة الوضعية أن تحقق ذرة منه .

و في مسيرة له _ صلى الله عليه و سلم _ قال: ( لا يصحبنا اليوم من آذى جاره ).

و قد جاء رجل إلى النبي فقال : يا رسول الله ! اكسني ، فأعرض عنه ، فأعادها فقال : أ/ا لك جار له فضل ثوبي ؟. قال : بل غير واحد ، قال : فلا يجمع الله بينك و بينه في الجنة ) . كان بالإمكان أن يكسوه _ صلى اله عليه و سلم _ و هل كان أحد مثله في الجود ، و لكنه التشريع الذي يمتد عير الزمان و المكان أو فيه إقامة لون تواصل عبر جسور العطاء و المواساة لابد من أن يقيمها من جاء بالشريعة الجامعة لكل شؤون الحياة المسعدة لكل من أقبل عليها تفقهاً ، و صدر عنها تطبيقاً ، يعم الظاهر و الباطن .

هل ترى بعد هذه الجولة تحت ظلال باقة من النصوص أن من حارب هذه الشريعة أنصف أو من أعرض عنها إلى غيرها أفلح ، أو أن سكان تلك العمارة الشاهقة التي تشبه خلية النحل في اكتظاظها قد نهلوا من رحيق التعاليم الإسلامية ، و قدموا لأنفسهم الخير الحقيقي الذي لا يغني عنه ثقافة التلفاز بتنوعها ، و لا امتلاك الشقق بما طرحته القفزة التقنية الرهيبة بتلوثاتها…..هذا كله يدخل في تحقيق الوجود المادي البحت ، و ما عرضناه يحقق الوجود الإنساني المحض ، و ما قيمة الكتل تزان بالكيلو غرامات ، و ما أسمى الحقائق و المعاني التي تغذي القلوب ، و تنضح الحياة أطيب بأطيب .

شارك المحتوى

تابعنا على Facebook

تابع أحدث أخبار ومقالات فضيلة الشيخ عبد الكريم تتان

#قولهم : شَيْخٌ فانٍ* معناه : شيخ قد نَفِدَ عمره ، والفناء عند العرب نفاد الشيء قال الشاعر: كَتَبَ الفناءَ على الخلائقِ ربُّنا وهو المليكُ وملكُهُ لا ينفدُ - وعُمر الرجلُ : طال عمره بالتخفيف- والعُمر- بالضم - والعَمر -الفتح -: البقاء ، إلا أن الفتح غلب في القسم ، ولا يجوز فيه الضم* في القاموس جاء في الحديث النهي عن قول: لعمر الله - وفي الراغب العمر دون البقاء لأنه اسم لمدة عمارة البدن بالحياة* والبقاء ضد الفناء ، ولهذا يوصف الباري بالبقاء ...
View on Facebook (opens in a new tab)
#نظرة حكيم في التدبير*عَنْ الأحنف بن قيس: لَا يَتِمُّ أَمْرُ السُّلْطَانِ إلَّا بِالوُزَرَاءِ وَالأَعْوَانِ، وَلَا يَنْفَعُ الوُزَرَاءُ والأعوان إلَّا بِالمَوَدَّةِ وَالنَّصِيْحَةِ، وَلَا تَنْفَعُ المَوَدَّةُ وَالنَّصِيْحَةُ إلَّا بِالرَّأْيِ وَالعِفَّةِ. ...
View on Facebook (opens in a new tab)
#قنطرة المظالم يوم الحساب* حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "يخلص المؤمنون من النار، فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هذبوا ونقوا، أذن لهم في دخول الجنة، فوالذي نفس محمد بيده، لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة منه بمنزله كان في الدنيا".* وفي الآية: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ}(1) * حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - "يخلص" أي: ينجو:" المؤمنون من" السقوط في "النار" بعدما يجوزون الصراط، "فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار"- قيل: إنها صراط آخر، وقيل: إنها من تتمة الصراط، وإنها طرفه الذي يلي الجنة- قال الحافظ: لعل أصحاب الأعراف منهم على القول الراجح، "فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا" - (1) [الحجر: 47]- البخاري ...
View on Facebook (opens in a new tab)
#مفهوم حلق الذكر في الحديث* عن أنس ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :"إذا مررتم برياض (1) الجنة فارتعوا (2) . قيل : يا رسول الله ما رياض الجنة ؟ قال : حلق الذكر"- مفهوم حلق الذكر: تشمل مجالس العلم، وتلاوة القرآن، وتدبر معانيه، ومعرفة الحلال والحرام.- وهي مجالس يجتمع فيها المسلمون لذكر الله تعالى، وتلاوة القرآن الكريم، ومدارسة العلم الشرعي * في الحَديثِ يُشبِّهُ النَّبيُّ -صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم- هذه المجالِسَ برِياضِ الجنَّةِ، حيث يقولُ: "إذا مرَرتُم برِياضِ الجنَّةِ"، والرِّياضُ هو المكانُ الَّذي به خُضرةٌ وزهرٌ، شبَّهه برِياضِ الجنَّةِ؛ لِمَا يَحدُثُ فيها للجالِسين مِن راحةٍ وطُمَأنينةٍ في القلوبِ؛ لِمَا فيها مِن ذِكرِ اللهِ- "فارْتَعوا" وصية بحرِص المسلِم على أنْ يحصد مِنها كلّ خيرٍ، والحثُّ على لزوم مَجالسِ الذِّكرِ؛ لِمَا فيها مِن الخيرِ للنَّاسِ. * رياضُ الجنَّةِ؟، حِلَقُ الذِّكرِ، والحِلَقُ هي جَماعةُ النَّاسِ يَجتمِعون على شَكلِ الحَلْقةِ يَذكُرون اللهَ ويَتْلون كِتابَه، ويتَعلَّمون العِلمَ فإذا رأَيتُم هذه الحِلَقَ فاغتَنِموا ما فيها، وكونوا حَريصين على ما فيها مِن ذِكرٍ، وتعلُّمٍ للعِلمِ.مَجالِسُ العلمِ وحِلَقُ الذِّكرِ فيها حياةٌ للقلوبِ وطهارةٌ للنُّفوسِ وسبيلٌ للسَّعادةِ في الدَّارَين؛ لأنَّها تُعرِّفُ باللهِ وتُقرِّبُ منه، وفيها تعليمُ صحيحِ الدِّين. (1) الرياض : جمع الروضة وهي البستان(2) الرتع : الاتساع في الخصب والمراد : الإكثار من ذكر الله ...
View on Facebook (opens in a new tab)
#أم المؤمنين الصديقة بنت الصديقحبيبة الحبيب على الصلاة والسلام * أسوق هذا النص من ألف نص مماثل بعد أن تابعت نكرات يتكلمن عن أم المؤمنين عائشة ، وبينهن وبينها قرابة الف سنة ضوئية ، فكن لمنزلة الصديقة ينفلقن غيرة حيث إنها تحمل شهادة جامعية عليا ، ولم تنل من السمعة ما طمعت فيها ، فرات نفسها في الحياة أقل من " عفطة سخلة عجفاء في الصحراء" فصاغت لها غيرتها القاتلة شخصية ظنتها من غارت منها ، فلها أوقدتُ هذه الشمعة من سيرة مشرقة علّ عمى التي غارت يزول عنها وتعود لها رؤيتها!!عسى!! ** يقينا من تحدث عن الصديقة أم المؤمنين ههنا أدرى بها ممن قرأ وريقات ونال بها الشهادات ، لأنه أقرب زماناً ومكاناً وبريء من تزوير حط في رحاب التاريخ من قبل الضالين! * عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: كَانَ إِذَا حَدَّثَ عَنْ عَائِشَةَ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهَا، قَالَ: حَدَّثَتْنِي الْمُبَرَّأَةُ الْمُصدَّقَةُ بِنْتُ الصِّدِّيقِ، حَبِيبَةُ حَبِيبِ اللَّهِ - قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: فَكَانَتْ تُحْسِنُ الْفَرَائِضَ؟ - قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ أَكَابِرَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَسْأَلُونَهَا عَنِ الْفَرَائِضِ"- الزهد والرقائق لابن المبارك ...
View on Facebook (opens in a new tab)