أجرى الحوار: ماهر سقا أميني
الخميس 12 شوال 1430هـ – 1 أكتوبر 2009
تأتي أهمية الحوار مع فضيلة الشيخ عبد الكريم تتان من كونه عالمًا وعاملًا وعابدًا، فقد كان ملمًّا بأكثر العلوم الشرعية، وله دروس يومية في التفسير والفقه والسيرة النبوية وغيرها، كما عمل في حقل التعليم والتربية الشرعيين، بالإضافة إلى الخطابة يوم الجمعة.
وفي هذه المقابلة يتحدث فضيلة الشيخ عن تجربته في التربية والتعليم، والتحصيل الشرعي، ودور الأسرة والمدرسة والمسجد في بناء الإنسان، كما يتحدث عن كتابه في شرح «جوهرة التوحيد» وتجربته الطويلة في تدريس العلوم الشرعية.
التربية والتعليم بين الأمس واليوم
سؤال: فضيلة الشيخ، بعد مشوار العمر هذا بارك الله فيكم، ما الذي ترونه من إيجابيات كانت في جيلكم، وهل هي على ما هي عليه في الأجيال الحالية؟
الشيخ: كانت صلة الأبوين مع الأبناء أوثق وأوسع وأقوى مما أراه اليوم، ثم الرغبة في التحصيل العلمي والارتقاء فيه درجة درجة من أجل بناء مستقبل مادي واجتماعي محترم.
لعل الآباء والأمهات في ذلك الزمان كانوا أقل تعليمًا من اليوم، ولكن اهتمامهم بتربية وتعليم أولادهم كان محورًا أساسيًا وواسعًا في حياتهم.
اليوم يشغل الأبناء الكثير من الملهيات والمغريات عن الرغبة في التحصيل العلمي والجدية في الحياة. الإعلام والإعلان اليوم يصوران الأمر للأجيال على أن بناء المستقبل قد يتحقق بضربة كرة أو إرسال رسالة هاتفية.
والإنترنت بما فيها من غرف مغلقة للحوار والمحادثة (الشات) فتح الباب أمام ملهيات كثيرة ومفاسد أكبر، والفضائيات اليوم تغمس الشباب في أوحال الشهوات ليلًا ونهارًا، وتبلبل الأفكار، وتعبث بالثوابت.
في أيامنا كانت مثيرات الشهوات والنوازع أقل، وهذا كان مساعدًا على تصعيد هذه النوازع إلى مراتب عليا يطل صاحبها منها على المستقبل المرسوم ويبذل ليعمره كل طاقاته التي ساعد على إنضاجها بيت واعٍ، وبيوت اليوم أقل وعيًا في ظني، ومدرسة معطاءة، وأيضًا مدارس اليوم كما أرى أقل جودة مما كنا عليه.
كثرة الدروس الشرعية في المساجد وكثرة الإقبال عليها في أيامنا كانت أيضًا تؤدي دورها في بناء القيم والأخلاق والنزوع نحو البناء، فحلقات التعليم هي أنفاس المسجد الذي لم يقتصر على الصلاة فقط، بل امتد ليؤدي رسالته، وكأننا كنا في عصر ازدهار الأندلس، أو جامع الزيتونة أو القيروان.
التحصيل الشرعي والتعلم على أيدي العلماء
سؤال: فضيلة الشيخ، ماذا عن العلم الشرعي الذي أخذتموه من العلماء مباشرة، والذي رافق تحصيلكم المدرسي دون أن يتعارض معه؟
الشيخ: أخذنا العلم عن علماء ومشايخ كبار كانوا ربانيين ومربين لأبعد الحدود. كانت طريقة التدريس رائعة تركز على قراءة جيدة ومنضبطة، وفهم يتغلغل في ثنايا العبارة، وتقويم واعٍ للمضامين، ووقفة منصفة أمام عطاء الكتاب.
وقد تأثرت بهذه الطريقة ومارستها في التدريس سواء في المدارس أو المساجد، فقد تمضي دروس كثيرة قبل أن نقلب الصفحة إلى التالية.
شرح «جوهرة التوحيد»
سؤال: فضيلة الشيخ، عندما يذكر اسمكم يذكر معه مباشرة شرحكم الفريد لجوهرة التوحيد، المؤلف من جزئين كبيرين قرابة ألف ومئتي صفحة؛ هل لك أن تحدثنا عن ذلك؟
الشيخ: هذا يتصل بالسؤال السابق، فقد أخذت الجوهرة وشرحها على يد شيخ جليل خبير في علم التوحيد فهمًا وذوقًا، وهو سيدي وأستاذي الشيخ محمد أديب الكيلاني – طيب الله ثراه – وما زالت النسخة التي درستها على يد الشيخ موجودة عندي.
ثم رأيت أن أخرج الكتاب بصورة لا تضل عن المضامين الأصلية في الشرح السابق، وإن كانت تضيف لمسات طرية تقرب المضامين عبر العبارة والمثال، مع حذف ما يتصل بتفصيل النحو والبلاغة مما كان يعيق أحيانًا من يتلقى لقلة الزاد من علماء اللغة.
عرضت الكتاب على الشيخ يومها، فسره ما فعلت، وأقره، ثم عرضته على الشيخ عبد الكريم الرفاعي، وهو من كبار علماء دمشق، فأقره وقدم له مقدمة موجزة معبرة – رحمه الله -.
طبع أول مرة في عام 1970، ودرس الكتاب في كثير من المراكز والمعاهد الشرعية والعلمية، ثم عدت بعد سنين هنا في دبي فأعدت صياغة الكتاب ووظفت فيه العلوم الكونية؛ لأن علم التوحيد يقوم على قاعدتين رئيسيتين: الوحي «النقل» والكون «العقل».
وقد خلا كثير من الكتب السابقة من عرض الظواهر الكونية، ودلالة الجانب الكوني، ثم إنني عنيت عناية خاصة بالمصطلحات وضبطها، ثم عرضته على عدد من أصحاب العقول والقلوب فأقروني، وطبع بثوبه الجديد، وهو بفضل الله مرجع هام في علم التوحيد.
ما الذي يمكن أن يؤخذ على مدارس اليوم؟
سؤال: عملكم في التدريس لا شك أنه كان مصدرًا لخبرات مفيدة، ما الذي يمكن أن يؤخذ على مدارس اليوم؟
الشيخ: لا يمكن التعميم هنا؛ لأن الدولة مليئة بالمدارس والمعاهد الحكومية والخاصة والمحلية والأجنبية.
ولكنني أعتقد أننا لا نحسن تربية الإبداع. لماذا لا تخرج مدارس اليوم، بل وجامعات اليوم، أمثال الرافعي وشوقي وغيرهما؟
نحن لا نحسن احتضان المواهب ورعايتها، ثم إننا ننزع دائمًا نحو التبسيط والتسهيل والاختزال… وهذا في النهاية لا يؤدي للإتقان، ومن مثل هذا خلت كل الميادين تقريبًا من المبدعين.
وإلى اللقاء في الحلقة الثانية من الحوار مع فضيلة الشيخ عبد الكريم تتان حفظه الله تعالى.
