الخميس 24 جمادى الأولى 1448 هـ - الموافق 5 نوفمبر 2026م

أورنك زيب عالم كير

هو حاكم عالم مجاهد تقي على النهج القويم ! 

إ نه ” أورنك زيب عالم كير” وقد اعتبره كثير من العلماء من بقية الخلفاء الراشدين ، وقد لقبه الإنجليز” بالقديس ” من كثرة عبادته

هو مثال يحتذي به في حياة الصالحين والأتقياء !

كان “عالم كير” سلطانا من طراز نادر لا يعلم له مماثل إلا في القرون الخيرة ، فلقد كان عالما تقيا ورعا ، شديد التمسك بأحكام الشريعة ، محافظا على أحكام الإسلام ، متبعا للمذهب الحنفي ، محافظا على الصلوات في المسجد ، مقيما للسنن والنوافل من صلاة وصيام ، حريصا على شهود الجمعة في جامع دهلي الكبير، مداوما على اعتكاف العشر الأواخر من رمضان فيه، وكان يرسل المئات لأداء فريضة الحج على نفقته سنويا ؛ ولكثرة الأعداء المحيطين به تعذر خروجه من البلاد، واستعاض عن ذلك أن كتب مصحفين بخط يده ، وأرسل واحدا الى مكة ، والآخر بعث به للمدينة ، وكان ذكارا لله ، قوّاما في الليل قدر استطاعته ، وكان يحترز عن كل سوء ومكروه منذ نعومة أظفاره، فلم يشرب الخمر قط ، ولم يتلطخ بالزنى ، ولم يستمع لغناء ، أو آلات يعزف عليها منذ أن تولى السلطة ، مع أنه كان ماهرا بالعزف قبل ذلك ، وما كان يلبس ما حرمه الله من ذهب وحرير، ولا يأكل في آنية الذهب والفضة ، وكان ينهى أمراءه عن الخوض في مجالسه بغيبة ، أو نميمة ، أو كذب ، حتى إنه أمرهم أن يعبروا عن كل الأمور المنكرة إن وقع لهم حاجة إلى ذلك بكناية بغية الإصلاح ، وكان على ما كان من عظمة مملكته راسخ القدم في مقام الزهد ، حتى فاق فيه على إبراهيم بن أدهم الزاهد المشهور نفسه ، حتى إنه مع سعة سلطانه كان يفطر في شهر رمضان على رغيف من شعير من كسب يمينه ، ومن كتابة المصاحف ، حيث كان يتكسب بكتابة المصاحف بخطه ، ويبيعها ، ويعيش بثمنها ، ولم يمدّ يده إلى أموال المسلمين ، فلم يأخذ من بيت مال المسلمين !! كان يصلي إماما بالناس صلاة التراويح ، ويطيل فيها !  
وقد منع عادة تقبيل الأرض بين يديه ، والانحناء له، ومنع الخطب الطويلة التي تقال لتحية السلطان ، واكتفى بتحية الإسلام ، كما منع دخول الخمر إلى بلاده،!!

وبنى المساجد، ونهى عن زخرفتها والمبالغة في ذلك !


ومن تواضعه أنه سمع أن نائبه بالبنغال
اتخذ مثل العرش يجلس عليه ، فنهره ، وعنفه وأمره أن يجلس بين الناس كجلوس عامتهم !
وأرجع التقويم الهجري للهند بعدما ألغاه جده الهالك جلال الدين أكبر!

وسيرة هذا السلطان الذي هو أضخم الناس مسئولية وانشغالا بحكم منصبه تفضح البطالين والكسالى ، وتكشف مدعي  الانشغال في يومنا هذا ! فقد كان عالم كير ” شديد التنظيم لأوقاته ” ! فوقت للعبادة، ووقت للمذاكرة، ووقت لتفقد العسكر، ووقت لأصحاب الدعاوى والشكاوى، ووقت لقراءة الكتب والأخبار الواردة ، لا يخلط شيئا بشيء، فلقد كان ينهض قبل الفجر، يتوضأ ويشتغل بالأذكار حتى طلوع الفجر، ثم يصلي الفجر بالمسجد، ثم يشتغل بتلاوة القرآن والأذكار الموظفة، ثم يذهب إلى ديوان الحكم؛ فيَمثل الأمراء والوزراء بين يديه لسماع الدعاوى والشكاوى، ثم ينتقل بعدها للديوان العام ، ويجلس للناس، فيحضر عنده عظماء الهند وعامتهم والسفراء والأمراء، فيعرض عليهم الطلبات والأوامر، ويسمع منهم كل ما يريدون قوله، ويكون حاضرا عنده في الديوان العام الوزراء والولاة والمسئولون؛ ليكلف بعضهم بتلبية الطلبات، وإجابة الحاجات، ورفع المظالم ، ثم يدخل بيته ويتناول اليسير من الطعام، ثم يقيل ساعة ، ثم يستيقظ لصلاة الظهر،  ثم يدخل “الخلوة ” لقراءة القرآن ، وكتابة المصحف بخطه البارع، ويطالع كتب العلم وخاصة الفقه الذي كان بارعا فيه له فيه تمكن الفقهاء، وفي الخلوة يدعو علماء عصره للتباحث معهم في الأمور الفقهية ، ثم يتجه إلى المسجد لصلاة العصر، وبعدها يعود إلى ديوان الحكم ؛ ليباشر شؤون الحكم ، وتوقيع المناشير، وأحوال الجيش ، وأخباره وتحركاته وتسليحه ، وما يستجد من ذلك، ثم يصلي المغرب ويشتغل بالأذكار والأوراد، ثم يعود لديوان الحكم حتى صلاة العشاء فيصليها، ثم يدخل بعدها ، ولا يجلس لأحد، أما يوم الخميس فكان يتفرغ للذكر والعبادة من صلاة العصر، ويترك شؤون الحكم ، ومتاعب الدولة !.

ويكفي أن نعرف أن هذا السلطان العظيم قد حفظ القرآن كله بعد جلوسه على العرش وعمره كان  40 سنه ، وأصبح من كبار فقهاء زمانه كذلك  بعد جلوسه على العرش،


وقد وفق إلى أمرين لم يسبقه إليهما أحد من ملوك المسلمين : –

الأول : أنه لم يكن يعطي عالما عطية ، أو راتبا إلا طالبه بعمل , بتأليف أو بتدريس , لئلا يأخذ المال ويتكاسل , فيكون قد جمع بين السيئتين !  أخذ المال بلا حق ، وكتمان العلم


الثانى : أنّه أول من عمل على تدوين الأحكام الشرعية في كتاب واحد , يُتخذ قانونا ، فوضعت له ، وبأمره ، وبإشرافه ، وتحت ناظره كتاب “الفتاوى الهندية – العالمكيرية “

 وقد اشترك مع عدة علماء في تأليف كتاب “الفتاوى الهندية ” في ستة مجلدات كبار، وقد اشتهر هذا الكتاب في سائر بلاد المسلمين في الحجاز ومصر والشام والدولة العثمانية، وصار مرجعا للمفتين على المذهب الحنفي، ومازال هذا الكتاب يطبع ويدرس تحت اسم “الفتاوى الهندية ” ويعرف أيضا عنه : الفتاوى العالمكيرية ” “


شهدت إمبراطورية المغول الإسلامية في عهد أورنك زيب عالم كير في الهند ما بين 1658 – إلى 1707 أقصى امتداد لها

 وذلك بفضل الجهود العسكرية التي بذلها السلطان أورنك زيْب حيث لم يبق إقليم من أقاليم الهند إلا دخل تحت إدارة السلطان , فقد استطاع أورنك زيْب تحويل شبه القارة الهندية الى ولاية مغولية إسلامية ، ربط شرقها بغربها ، وشمالها بجنوبها تحت قيادة واحدة !

وقد خاض المسلمون فى عهده أكثر من 30 معركة قاد السطان بنفسه منها إحدى عشرة معركة ، وأسند الباقي لقواده !

 وقد قاد السلطان البلادَ بمنتهى الاقتدار في فترة عصيبة شديدة الاضطراب من قتال داخلي ، وتسلط خارجي !
وظل السلطان الصالح المصلح “عالم كير” يحكم بلاد الهند كلها على اتساع ملكها ، واختلاف شعوبها، وكثرة أعدائها بنفس الطريقة المرضية من قواعد الشرع والعدل طيلة خمسين سنة –أي قرابة نصف قرن من الزمان
وظل على هذا النهج القويم حتى توفي – رحمه الله – بعد أن جاوز التسعين من العمر المحرم سنة 1119 هجرية – – 1707سنة

وأوصى- رحمه الله- أن يدفن في أقرب المقابر للمسلمين ، وألا يعدو ثمن كفنه خمس روبيّات !                             
، وبموته هاجت الشرور، ونجم نفاق المنافقين ، وأطل الأعداء برؤوسهم من كل مكان، وأخذت شمس دولة الإسلام بالهند في الأفول !!

نسأل الله الكريم أن يتغمد صاحب هذه السيرة العطرة برحماته على ما خدم الإسلام والمسلمين !

 “هذه الصفحة المشرقة من حياة الربانيين كتبها الأستاذ ” منصور يوسف ” جزاه الله خيرا ، وما طرأ عليها إلا لمسات طفيفة بكلمة ، أو جملة ، لم تبعد عن أصلها .

شارك المحتوى

تابعنا على Facebook

تابع أحدث أخبار ومقالات فضيلة الشيخ عبد الكريم تتان

#الخشية من الله ثمرة العلم الناضجة- يقول الإمام ابن القيّم - رحمه الله - :- ‏ " طلب العلم من أفضل الحسنات " - قد رُوي عن عُمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: إنَّ الرجل لَيَخْرُج مِنْ منْزله وعليه من الذنوب مثل جبال تِهامة ، فإذا سمع العلم ، خاف ورجع وتاب ، فانصرف إلى منْزله وليس عليه ذنبٌ ، فلا تفارقوا مجالسَ العلماء - مفتاح دار السعادة 77/1 ...
View on Facebook (opens in a new tab)
#تحديد العلة قبل المعالجة!* أنحنُ في زمن حذّر مما يقع فيه المبعوثُ رحمة للعالمين ؟ ! - أهناك منا من تطابق حاله النفسي ، والسلوكي ، مع أعداء الله ، وهو يظن أنه من الأولياء الخُلص ! - ألا يجدر بالعاقل أن يفتش- دائما- في نفسه عن السلبيات التي حذر منها الناصح الأمين ! - قال عَنْ سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - :" اللَّهُمَّ لَا يُدْرِكنِي زَمَانٌ ، وَلَا أُدْرِكُهُ ، لَا يُتَّبَعُ فِيهِ الْعَالِمُ ، وَلَا يُسْتَحْيَى فِيهِ مِنَ الْحَلِيمِ ، قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الْعَجَمِ ، وَأَلْسِنَتُهُمْ أَلْسِنَةُ الْعَرَبِ" تذكير بالعمرية السامقة! - شاهت وجوه أغاروا بشقائهم على أنقى الناس بعد النبوة ، وأعملوا ألسنتهم الحداد في أعراض طاهرة ! - تهتاج أحقاد هؤلاء في مناسبات صنعوها ، يستحضرون فيها معبود أجدادهم " النار " فتلفح أكبادهم لفحا ، به تزرب أفواههم بقيح ، وصديد !- في الجزء الأول من ديوان الشاعر العملاق حافظ إبراهيم - رحمه الله تعالى - قصيدته " العمرية " بلغت أبياتها مئة وثمانبة وثمانين بيتا ، كلها في الخليفة الراشد عمر أبو حفص - رضي الله عنه – رصد فيها ما أمكنه من محاسن رجل خدم بأمانة ، وهمة شماء دين الأمة الإسلام ، وقام بأعظم الأعمال، وحطم الله على يديه ، في زمن خلافته ، دولة الطغيان التي استعبدت ناسها ، وربتهم على عبادة النار ، فاحرق الله وجوه من أساء للفاروق من هؤلاء الذين حررهم الله أسلافهم من عبادة مخلوق ، ودعاهم إلى عبادة الله وحده ! - ومما جاء فيها قوله في ابن الخطاب أحد وزيري المختار :فمن يباري أبا حفص وسيرتَهُ * أو مَنْ يُحاول للفاروق تشبيها ...
View on Facebook (opens in a new tab)
#ضخ السام من قنوات لئام* رصد لما يضخ " فينا " كل لحظة عبر كثير من القنوات ، وجولة سريعة معها في مناقعها ، للمراجعة الواعية! - قناة تصور غارقا في الغرام ، مختنقا بالأحلام ، قد اكتنفته شهوات الدنيا من كل جانب! - وقناة تقطر شاشتها من دماء الأبرياء ، وتتناثر على حوافها أشلاء لطفل ، وعجوز ، وامرأة ! - وقناة تهندم من غطى شاشتها يعمل معوله في كتب التراث تهشيما فيها ، وتشكيكا في نجاعة عطائها ، يسعى مثل " أفعى كُبرى " لفصل الجيل عن مصادر الأمة ، وهويتها عبر القرون ، ويضع لافتة كتب عليها " تنقيح التراث " ولو قال " تقبيحه " لأشوى! - وقناة يتصدر فيها على أنه " محلل " من يسعى إلى تفتيت الأمة ، وتزوير حقائق الواقع ، ينصر الباطل ، ويهشم الحق ! - ولا نعدم قناة جادة ، تسعى إلى البناء ، والترميم ، والإسعاف ، والتسديد ، تحاول أن تمسح الكآبة التي تلخلق من كثير من مشاهد الحياة! ...
View on Facebook (opens in a new tab)
#شهود تعلق القدرة الحادث -للقدرة تعلقان : تعلق صلوحي قديم ، وتعلق تنجيزي حادث ، وأصحاب القلوب الصافية المفعمة بالإيمان تظل مشرئبة إلى شهود العطاء الرباني ! بملاحظة التعلق الحادث- عَنْ أَنَسٍ قَالَ: أَصَابَنَا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَطَرٌ، فَحَسَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَوْبَهُ عَنْهُ حَتَّى أَصَابَهُ الْمَطَرُ، قُلْنَا: لِمَ فَعَلْتَ؟ قَالَ: " لِأَنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّهِ " - الحديث صحيح ...
View on Facebook (opens in a new tab)
#تتابع الأعياد على مر الزمان - قال الحسن: كل يوم لا تعصي الله فهو لك عيد- يوم تسمع من الملك : فلان بن فلان سعد - يوم تجوز عن الصراط ، وتزحزح عن النار - يوم تسمع : يا أهل الجنة خلود ...
View on Facebook (opens in a new tab)