الخميس 24 جمادى الأولى 1448 هـ - الموافق 5 نوفمبر 2026م

الشيخ الحامد

الشيخ الحامد.. شيخ حماة وعالمها.. علم بارز من أبرز علماء بلاد الشام.. كان داعية إلى الله بعلمه وعمله وسلوكه، وكان كلما ازداد علماً ازداد تواضعاً وورعاً وتقوى.. كان نموذجاً للإنسان المؤمن الصادق.. عميق الفهم، فتيّ العزم.. شغلته قضايا أمته، فعمل لها من أجل إقامة الأمة على منهج الإسلام.

حياته:

ولد الشيخ محمد محمود الحامد عام 1910م في مدينة حماة الهادئة الجميلة، التي تكللها المناظر الطبيعية الخلابة، وتلتف حولها البساتين ذات الظلال الكثيفة الوارفة، وتطل عليها النواعير كالأفلاك الدائرة، ويشقها النهر العظيم المسمّى بالعاصي.

وعاش في بيئة علم ودين وأدب.. فكان أبوه الشيخ محمود الحامد عالماً متصوفاً أديباً، وأمه من بيت اشتهر بالعلم والشعر، وخاله الشيخ سعيد الجابي من العلماء الأعلام، وجده لأمه الشيخ مصطفى الجابي عالم وشاعر، وأخوه بدر الدين شاعر كبير.. فنشأ منذ نعومة أظفاره ميالاً إلى التديّن والأدب، يألف المساجد ويحضر دروس العلماء، ومات أبوه وأمه وهو طفل صغير فعاش سنيّ طفولته يتيماً يتولى أمره أخوه بدر الدين، ولما شبّ اتجه إلى طلب العلم ودرس في مدرسة حماة الشرعية، ووجد فيها أمنيته وظهر تفوقه في الدروس، ونال شهادتها بدرجة ممتازة، ثم قصد حلب للدراسة في كليتها الشرعية عام 1928م وبقي فيها حتى عام 1935م ثم عاد إلى حماة وعمل مدرساً للتربية الإسلامية في ثانوية ابن رشد.

وفي عام 1938 توجّه إلى الجامعة الأزهرية بمصر، وبعد الدراسة فيها نال شهادة كلية الشريعة، والتحق بتخصص القضاء وحصل على شهادته بتفوق كبير عام 1944م وعُرض عليه أن ينتسب لأحد فروع التخصص العالي لينال شهادة الدكتوراه، ولكنه آثر العودة إلى وطنه ليقوم بنشر العلم والدعوة إلى الله تعالى، وكانت سورية آنذاك في حالة كفاح مرير ضد الاستعمار الفرنسي، فزاد ذلك من رغبته في العودة ليساهم في معركة الجهاد لتحرير الوطن.

وفي حماة أثبت الشيخ مكانته العلمية فجذب أنظار العلماء، وعمل خطيباً ومدرساً بجامع السلطان، فكان يُعلي من فوق المنبر صوت الحق، ويذكي بخطبه الحماسية جذوة الكفاح ويحرّض الناس على الجهاد، حتى كتب الله تعالى النصر للأمة، وتحررت من ربقة الاستعمار عام 1945م.

وكان للشيخ الحامد دور هام وأثر بارز في جميع الأحداث التي عاشتها الأمة، فقد بذل جهوداً صادقة لحلها.. وأبناء الشعب السوري يقدّرون له مواقفه الوطنية المشرفة ضد الاستعمار الخارجي وأمام الظلم والاستبداد الداخلي.

وظل الشيخ محمد الحامد يعمل في مختلف المجلات داعياً إلى الله.. مدرساً وواعظاً.. خطيباً ومرشداً، فاجتذب إليه النفوس وتعلقت به القلوب والتف حوله طلاب لا يفارقونه، تخلّقوا بأخلاقه، واقتبسوا من علمه، وساروا على منهاجه.. وصفه الشاعر عبد القادر حداد فقال:

غرسَ الهَديَ في النفوس فأعطى    أمة حرة وشعباً أبيا

وبقي الشيخ على هذا إلى أن اختاره الله إلى جواره يوم الاثنين الخامس من شهر أيار عام 1969م، وكان يوم وفاته يوماً مشهوداً خرج فيه آلاف الناس من أبناء سورية المجاهدة يشيّعون عالمهم الجليل باللوعة والدموع إلى مثواه الأخير.

وهبّ علماء سورية وكتابها للمشاركة في وداع العالم الراحل، بين خطيب وشاعر، ومؤلف وكاتب، فأفردت له مجلة حضارة الإسلام عدداً خاصاً.. العدد الثالث من السنة العاشرة، تحدث فيه الكتّاب عن مآثر الفقيد.. وأخرج عنه الأستاذ عبد الحميد طهماز كتاباً كاملاً من سلسلة أعلام المسلمين.. ورثاه الشاعر الدكتور مأمون شقفة في قصيدة بعنوان: “سيد العصر” قال فيها:

هـو فـي نـزعه وفي سكرته          ذو جـلال يـفيض من قسماته
يـنفذ الوعظ في القلوب فيح ـييها، ولو كان غارقاً في سباته
نـفـحات الإيمان تصدر عنه فـتـطيب الأجواء من زفراته
كـل مـا فـيه دعوة وصلاح جـلّ مـن صـاغه على آياته
أجـمع الناس أنه سيد العصـ ـر وأنّ الإسـلام فـي كلماته

شعره:

الشيخ محمد الحامد شاعر موهوب كان للوراثة والبيئة أثر كبير في تكوينه الشعري.. فكان جده لأمه الشيخ مصطفى الجابي شاعراً، وكان أخوه بدر الدين شاعراً فحلاً، اشتهر بقصائده الوطنية أيام كان الفرنسيون في سورية، وله قصيدة “الجلاء” المشهورة التي يقول فيها:

يوم الجلاء هو الدنيا وزهرتها    لنا ابتهاج وللباغين إرغام؟!

وقد كان للبيئة التي عاش فيها الشيخ الحامد أثر واضح في شعره، فقد أكسبته المناظر الطبيعية الجميلة في حماة حساً شعرياً وذوقاً سليماً صافياً، كما أن تغرّبه للدراسة في حلب ومصر كان حافزاً لقول الشعر وخاصة في الحنين.

أغراض شعره:

نظم الشيخ الحامد شعره في أغراض كثيرة.. نظمه في المديح وفي الاستغفار والتوسل والتصوف الرفيع، ونظمه في الوصف والحنين، ونظمه في الرثاء وفي الدعابة الأدبية.

أما المديح.. فله مدح في الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، ومدح لمشايخه وأصدقائه وإخوانه، ويتسم مدح الشيخ الحامد بالصدق، فهو لم يمدح لقاه منفعة أو تزلفاً ولكنه مدحٌ إسلامي صادق يدفعه الحب الكريم للمصطفى صلى الله عليه وسلم، والصداقة الخالصة للإخوة والأصحاب، والتلمذة البرّة للعلماء الأجلاء.

قال في قصيدته الحانية يمدح الرسول عليه السلام:

يـا  حـبـيـب الرحمن، يا صفـ     ـوة الخَلق ويا مُنيتي وراحة روحي
يـا ولـيّـي وسـيّـدي وإمـامي أنـت لـي خـيـرُ مُشفقٍ ونصيح
لا أبـي لا أخـي ولا صـدرُ أمي لا ولا ذو الإخـاء خِـدنُ الـروح
بـلـغـوا شـأوكَ الـعـلـيّ ببر أو وفـاءٍ أو فـي الحنان الصحيح

ونرى الصدق بالكلمة المعبرة والصورة الشفافة في قصيدته التي يصف فيها أشواقه للنبي صلى الله عليه وسلم فيقول

خطراتُ  الهوى تروح وتغدو     ولـقـلب  المحب حلّ وعقدُ
وأخـو الحب بالوفاء موافٍ أمـره في الغرام صدق وعهدُ
شوقه طائر إلى الحب ما للش ـوق في مذهب المحبين حدُّ
والـهوى ماليءُ الجوانح منه إن تـراخى وجدٌ تجدّد وَجْدُ

وقال في مدح إخوانه الذين عرفهم في مصر عام 1940م(1):

أحـبـائـي هـذا فؤادي لكم              وهذي عيوني وهذي دموعي!!
لـقـد فـعل الشوق بي فعله ومـا من مجيب وما من سميع
تـركـت بمصر صحباً كراماً لهم طار شوقي وشتّ ولوعي
رجـال لـهم في الثقى مأرب تـلوح عليهم سمات الخشوع
هـم القوم والإخوة المسلمونا حكوا في الربوع زهور الربيع

وقال في صديقه الشيخ الجليل أحمد الحصري شيخ معرة النعمان:

حُـييتِ يا أرض المعرّة ... فـيكِ الكرامة والمبرّة
فـيكِ الحياة وفي حماك ... الـروح تسرح في مسرّة
مـنـكِ الذي هو ساكن ... فـي القلب إمساء وبكرة
إن غاب عني غبتُ عن ... أُنـسي، ولاقتني المضرة
أو كـان عندي كان بيتي ... فـوق دارات الـمـجرّة
حـبّـيـه قـد ملأ الفؤا ... د فصرت من أشباه عذرة

وأما الاستغفار فله فيه مجموعة من الأشعار، منها قوله:

يـا أرحمَ الرحماء مالي حيلة ... إلا الـرجـوعُ إليك يا ربّاه
أنا قد أسأتُ وأنت ربّ غافر ... غـوثـاه
مما قد عرا، غوثاهيـا سيدي يا من إليه شكايتي ... أوّاه مـمـا نـابـني، أوّاه
أدرك بـلطفك نادماً ذا حسرةٍ ... مـسـتـغفراً مما جنته يداهمـا للضعيف إذا ألمّتْ كربة ... إلا الــدُّعـا: الله يـا الله!يا ربّ نفّس عن عُبَيْدِك كربة ... وأرحْـه مـما قد عنا ودهاه

شارك المحتوى

تابعنا على Facebook

تابع أحدث أخبار ومقالات فضيلة الشيخ عبد الكريم تتان

#الخشية من الله ثمرة العلم الناضجة- يقول الإمام ابن القيّم - رحمه الله - :- ‏ " طلب العلم من أفضل الحسنات " - قد رُوي عن عُمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: إنَّ الرجل لَيَخْرُج مِنْ منْزله وعليه من الذنوب مثل جبال تِهامة ، فإذا سمع العلم ، خاف ورجع وتاب ، فانصرف إلى منْزله وليس عليه ذنبٌ ، فلا تفارقوا مجالسَ العلماء - مفتاح دار السعادة 77/1 ...
View on Facebook (opens in a new tab)
#تحديد العلة قبل المعالجة!* أنحنُ في زمن حذّر مما يقع فيه المبعوثُ رحمة للعالمين ؟ ! - أهناك منا من تطابق حاله النفسي ، والسلوكي ، مع أعداء الله ، وهو يظن أنه من الأولياء الخُلص ! - ألا يجدر بالعاقل أن يفتش- دائما- في نفسه عن السلبيات التي حذر منها الناصح الأمين ! - قال عَنْ سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - :" اللَّهُمَّ لَا يُدْرِكنِي زَمَانٌ ، وَلَا أُدْرِكُهُ ، لَا يُتَّبَعُ فِيهِ الْعَالِمُ ، وَلَا يُسْتَحْيَى فِيهِ مِنَ الْحَلِيمِ ، قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الْعَجَمِ ، وَأَلْسِنَتُهُمْ أَلْسِنَةُ الْعَرَبِ" تذكير بالعمرية السامقة! - شاهت وجوه أغاروا بشقائهم على أنقى الناس بعد النبوة ، وأعملوا ألسنتهم الحداد في أعراض طاهرة ! - تهتاج أحقاد هؤلاء في مناسبات صنعوها ، يستحضرون فيها معبود أجدادهم " النار " فتلفح أكبادهم لفحا ، به تزرب أفواههم بقيح ، وصديد !- في الجزء الأول من ديوان الشاعر العملاق حافظ إبراهيم - رحمه الله تعالى - قصيدته " العمرية " بلغت أبياتها مئة وثمانبة وثمانين بيتا ، كلها في الخليفة الراشد عمر أبو حفص - رضي الله عنه – رصد فيها ما أمكنه من محاسن رجل خدم بأمانة ، وهمة شماء دين الأمة الإسلام ، وقام بأعظم الأعمال، وحطم الله على يديه ، في زمن خلافته ، دولة الطغيان التي استعبدت ناسها ، وربتهم على عبادة النار ، فاحرق الله وجوه من أساء للفاروق من هؤلاء الذين حررهم الله أسلافهم من عبادة مخلوق ، ودعاهم إلى عبادة الله وحده ! - ومما جاء فيها قوله في ابن الخطاب أحد وزيري المختار :فمن يباري أبا حفص وسيرتَهُ * أو مَنْ يُحاول للفاروق تشبيها ...
View on Facebook (opens in a new tab)
#ضخ السام من قنوات لئام* رصد لما يضخ " فينا " كل لحظة عبر كثير من القنوات ، وجولة سريعة معها في مناقعها ، للمراجعة الواعية! - قناة تصور غارقا في الغرام ، مختنقا بالأحلام ، قد اكتنفته شهوات الدنيا من كل جانب! - وقناة تقطر شاشتها من دماء الأبرياء ، وتتناثر على حوافها أشلاء لطفل ، وعجوز ، وامرأة ! - وقناة تهندم من غطى شاشتها يعمل معوله في كتب التراث تهشيما فيها ، وتشكيكا في نجاعة عطائها ، يسعى مثل " أفعى كُبرى " لفصل الجيل عن مصادر الأمة ، وهويتها عبر القرون ، ويضع لافتة كتب عليها " تنقيح التراث " ولو قال " تقبيحه " لأشوى! - وقناة يتصدر فيها على أنه " محلل " من يسعى إلى تفتيت الأمة ، وتزوير حقائق الواقع ، ينصر الباطل ، ويهشم الحق ! - ولا نعدم قناة جادة ، تسعى إلى البناء ، والترميم ، والإسعاف ، والتسديد ، تحاول أن تمسح الكآبة التي تلخلق من كثير من مشاهد الحياة! ...
View on Facebook (opens in a new tab)
#شهود تعلق القدرة الحادث -للقدرة تعلقان : تعلق صلوحي قديم ، وتعلق تنجيزي حادث ، وأصحاب القلوب الصافية المفعمة بالإيمان تظل مشرئبة إلى شهود العطاء الرباني ! بملاحظة التعلق الحادث- عَنْ أَنَسٍ قَالَ: أَصَابَنَا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَطَرٌ، فَحَسَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَوْبَهُ عَنْهُ حَتَّى أَصَابَهُ الْمَطَرُ، قُلْنَا: لِمَ فَعَلْتَ؟ قَالَ: " لِأَنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّهِ " - الحديث صحيح ...
View on Facebook (opens in a new tab)
#تتابع الأعياد على مر الزمان - قال الحسن: كل يوم لا تعصي الله فهو لك عيد- يوم تسمع من الملك : فلان بن فلان سعد - يوم تجوز عن الصراط ، وتزحزح عن النار - يوم تسمع : يا أهل الجنة خلود ...
View on Facebook (opens in a new tab)