الإثنين 8 ربيع الآخر 1448 هـ - الموافق 21 سبتمبر 2026م

تفسير ( فاهبط منها ) …

تفسير ( فاهبط منها ) …

نقل الخطيب الموصلي في تفسيره أولى ما قيل "عن ابن " كثير في تفسير قوله تعالى ….. بقوله: «قال ابن كثير: إن هذا الخطاب للتكوين فهو عبارة عن بيان الواقع في صفة طبيعة الإنسان وطبيعة الشيطان»

وعند الرجوع إلى موضع تفسير هذه الآية، لم يتبيَّن وجود هذا الكلام فيه، ولكن هناك ما قد يشبهه في تفسير قوله تعالى: ﴿ﭥ ﭦ﴾ [الأعراف:13] إذ فيه: «يقول تعالى مخاطباً لإبليس بأمر قَدَري كوني ﴿ﭥ ﭦ﴾ بسبب عصيانك لأمري وخروجك عن طاعتي فما يكون لك أن تتكبَّر فيها "»([2]). ومن البيِّن أن الشيخ يريد أن يؤيد رأيه في مسألة الحوار الذي دار بين الله عزَّ وجلَّ والشيطان على أنه تمثيلٌ لا حقيقة بنقول من مفسِّرٍ شديدِ التمسُّك بالأثر، ولا أدري إن كان كلام ابن كثير يفهم منه ما أراده الشيخ ؟؟

قول الشيخ " فهو عبارة عن بيان الواقع في صفة طبيعة الإنسان وطبيعة الشيطان " ينسبه لابن كثير ، مصاغ بعبارة الشيخ حسب فهمه لما قرره ابن كثير ، وبدهي ألا تجد العبارة كما اوردها عند ابن كثير ، لأن ابن كثير أبعد ما يكون عن هذا التوجيه للنص ، وهو من هو التزاما بالنص ، ودلالته الصارخة ، ولا أرى من صلة ، ولو " مريخية " بين ما جاء في عبارة الشيخ المنسوبة لابن كثير ، ولوى عنقها إليه ، وما أتى على لسان ابن كثير في تفسيره !

ثمة أمر أسوقه قبل الحديث عن العبارة ، وأسوق ما جاء في تفسير المنار متعلقا بعبارة ابن كثير رحمه الله تعالى :

من تتبع التعبير القرآني من خلال ما جاء من أمر توجه به الله لمن يأمرهم يجد أن ثمة نوعين من الأمر :أمر تشريعي ، يتوجه به إلى المكلفين بتنفيذ الأمر، ويدخل في دائرة " التكليف " المبني على حرية الاختيار ، ويترتب عليه الثواب لمن استجاب ، والعقاب لمن خلف وأبى ، ويدخل في هذا الضرب كل ما أمر الله به عباده ، ونهاهم عنه ،وهذا الأمر يقابل من قبل الطائعين بالاستجابة ، والتلبية ، كما يقابل بالإباء من قبل الآبين المتكبرين على أمر الله ، وقد امر الله بالصلاة – مثلا – وهو أمر تشريعي ، وهناك الكثير ممن لا تنحني جباهم ركوعا ولا سجودا ! ومثال هذا أمره تعالى الملائكة بالسجود كما في قوله – تعالى – :

" ثمَّ قلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ"

وكان إبليس من جملة من أمروا، ولكنه أبى ، وعلل إباءه !

"قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ " فالتعليل بقوله :

*{ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ } وهو- كما ترى – من العذر الذي هو أكبر من الذنب، وأقبح ، فكأنه امتنع من الطاعة لأنه- حسب فلسفته- لا يؤمر الفاضل بالسجود للمفضول !

ولو كان الأمر بالسجود أمرا كونيا قدريا ، وهو النمط الثاني من نمطي الأمر الإلهي ، لما استطاع ابليس أن يأبى ، ولسجد رغما عن أنفه ، والأمر الكوني قاهر لا يرد ، وتنفيذه من قبل المأمور اضطراري ،ويأتي على صورة تعلق القدرة بالمقدور لإبرازه إلى ساحة الوجود ، أو إخراجه منه ، بحسب ما خصصته الإرادة ، وتعلق به العلم أزلا ! ويتجلى بصورة عقاب او ثواب !

ومن هذا الضرب الأمر: " فَاهْبِطْ مِنْهَا " على ما بين بقوله –

تعالى – " فَاهْبِطْ مِنْهَا فمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ " تراه كان بإمكانه بعد هذا الأمر أن يقول : لا أهبط ! كل ما كان أن سأل الانظار كما بينت النصوص !

* قال {أنظرني إلى يوم يبعثون قال إنك من المنظرين} أجابه تعالى إلى ما سأل ، لما له في ذلك من الحكمة والإرادة والمشيئة التي لا تخالف ولا تمانع, ولا معقب لحكمه

وهنا نقول ما قرره ابن كثير حيث قال :

* يقول- تعالى- مخاطبًا لإبليس بأمر قدري كوني: { فَاهْبِطْ مِنْهَا }

*وَقدعَلَّلَ الأمر بالإهباط بِقَوْلِهِ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِئْنَافِ الْبَيَانِيِّ : (إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ) أَيْ أُولِي الذِّلَّةِ وَالصَّغَارِ ، أَظْهَرَ حَقِيقَتَكَ الِامْتِحَانُ وَالِاخْتِبَارُ الَّذِي يُمَيِّزُ بَيْنَ الْأَخْيَارِ وَالْأَشْرَارِ ، بِإِظْهَارِهِ لِمَا كَانَ كَامِنًا فِي نَفْسِكَ مِنْ عِصْيَانِ الِاسْتِكْبَارِ .

قَالَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ :

(فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ) أَيِ الذَّلِيلِينَ الْحَقِيرِينَ . مُعَامَلَةً لَهُ بِنَقِيضِ قَصْدِهِ ، وَمُكَافَأَةً لِمُرَادِهِ بِضِدِّهِ ، فَعِنْدَ ذَلِكَ اسْتَدْرَكَ اللَّعِينُ .

* وَقَالَ بَعْضُهُمْ : إِنَّهُ تَعَالَى جَازَاهُ بِضِدِّ مُرَادِهِ ، إِذْ أَرَادَ أَنْ يَرْفَعَ نَفسَهُ عَنْ مَنْزِلَتِهَا الَّتِي كَانَتْ فِيهَا ، فجُوزِيَ بِهُبُوطِهَا مِنْهَا إِلَى مَا دُونَهَا ، كَمَا وَرَدَ فِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ مِنْ أَنَّ اللهَ تَعَالَى يَحْشُرُ الْمُتَكَبِّرِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصُورَةٍ حَقِيرَةٍ يَطَؤُهُمْ فِيهَا النَّاسُ بِأَرْجُلِهِمْ ، وَهَذَا التَّوْجِيهُ أَلْيَقُ بِقَوْلِ مَنْ جَعَلَ الْأَمْرَ لِلتَّكْلِيفِ . وَلَكِنَّ الْحَافِظَ ابْنَ كَثِيرٍ جَرَى عَلَيْهِ بَعْدَ جَزْمِهِ بِالْقَوْلِ بِأَنهُ لِلتَّكْوِينِ وَاقْتِصَارِهِ عَلَيْهِ قَالَ :

" يَقُولُ تَعَالَى لِإِبْلِيسَ بِأَمْرٍ قَدَرِيٍّ كَوْنِيٍّ : فَاهْبِطْ مِنْهَا بِسَبَبِ عِصْيَانِكَ لِأَمْرِي وَخُرُوجِكَ عَنْ طَاعَتِي ، فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا "

شارك المحتوى

تابعنا على Facebook

تابع أحدث أخبار ومقالات فضيلة الشيخ عبد الكريم تتان

#المسلم على الواضح تصوراً وسلوكاً* لَا تَظْلِمَنَّ وَضَحَ الْطَريق- يضرب في التحذير لمن ترك الطريق الواضِح إلى المبهم.- صَاحب الْعين: وَضَحَ الطّريقُ: ظَهَرَ، وأَوْضَحْت النَّار: تلأْلأَتْ واتَّضَحَتْ- ظُلْمه: وضعه السير في غير موضعه* قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: يَا مَعْشَرَ الْقُرَّاءِ، ارْفَعُوا رُءُوسَكُمْ فَقَدْ وَضَحَ الطَّرِيقُ، اسْتَبْقُوا الْخَيْرَاتِ، وَلَا تَكُونُوا عِيَالًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ(1)* كان سفيانُ الثورِي يَمُرُّ بنا ونحن جلوس في المسجد الحرام، فيقول: «ما يُجلسكم؟» فنقول: فما نصنع؟ قال: اطلبُوا من فضلِ الله، ولا تكونُوا عِيَالًا على المسلمين.(2)- (1) مسند ابن الجعد- (2) في الحث على التجارة ...
View on Facebook (opens in a new tab)
#سحر الجمال سحر حلال* حقاً إن من البيان لسحراً ، وإن من جمال الكون لأعذب الصور* أليست عناصر المشهد من أروع القوافي التي أسمعت القلب أرق المعاني ، وأطربت العيون بأجمل المباني ، فكأنا بين يدي معلقة هي أفخر ما عرف العرب والعجم !* إن النفس تلقي بيديها أمام ظلال الجبال على صفحة الماء الصافية ، ثم ترقى إلى صاحب الظل!أليس العقل يسلم بداهة أمام المشهد بعظمة المبدع ، ويقر بقدرته ، بناء على أن لكل حادث محدثاً ؟!* أليست هذه التوليفة من الألوان تقبل بنفسها كيفيات كثيرة حسب قانون الاحتمال ، وظهورها بهذه الكيفية اختيار من خارجها ، وتذكر بقوله -سبحانه-: { فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ}(1) أي: في أَيِّ شَبَهٍ شَاءَ صَوَّرَكَ، شَبَهِ الْأَبِ أَوِ الْأُمِّ أَوِ الْخَالِ أَوِ الْعَمِّ* هل هناك من يرى صورة ليس لها مصور؟ أليس لكل صورة مقاسات ؟ أتحدد الصورة بذاتها مقاساتها من الداخل؟ ** أمسك هنا عن سرد الخواطر منبعثة من المشهد ، وأترك لمن يقرأ أن يكمل- (1) [الانفطار: 8] ...
View on Facebook (opens in a new tab)
#سيد الاستغفار بكلمات ربانية تحدد عبودية العبد لله - مما أتحفنا به الرسول عليه الصلاة والسلام أنه دلنا على كيفية التعامل مع الله -جل جلاله-وتصحيح المسار إذا التوى بنا الطريق * عن شدَّادِ بن أوسٍ أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم - قال: " سيِّدُ الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي، لا إله إلَاّ أنت، خلقتني وأنا عبدُكَ، وأنا على عهدك ووعدِك ما استطعتُ، أعوذُ بك من شرِّ ما صنعتُ، أبوءُ لك بنعمتك عليَّ، وأبوءُ بذنبي، فاغفر لي ذنوبي، فإنه لا يغفر الذنوبَ إلَاّ أنت، قبل أن يُصْبِحَ، فمات فهو من أهل الجنة " (1).* " أبوءُ لك بنعمتك عليَّ، وأبوء بذنبي": أي أُقِرُّ وأعترِفُ، فدل على أن للاعتراف أثراً في مغفرة الذنوب، وكذلك الاستغفارُ، وقد جُمعا في هذا الاستغفار العظيم، ولو كان بمنزلة التوبة، لم يشترط في المغفرة لصاحبه أنيموتَ من يومه قبل أن يُمسي أو في ليلهِ قبل أن يُصْبِحَ، فإن التائب يُغفر له ما لم يَعُدْ بالإجماع، ولأنه رتَّبَ المغفرة على القول واليقين به، لا سوى.(1) - رواه البخاري والنسائي، ورواه الترمذي بنحوه، واللفظ لهما ...
View on Facebook (opens in a new tab)
#مثال يضرب للمتحيِّر* المثل: يقال للمتحير " لَاغَرْو وَلَا هَيْمَ "- ويضرب للأمر إذا أشكل، قَالَ القائل: أَعييَتني كُلَّ الْعَيَا … ءِ فَلَا أُغَرُّ وَلَا أَهِيمْ- [لا غرو] أي: لا عجب.- [الهائم]: المُتَحَيِّر، وهامَ يَهِيمُ.- مما يقال: لا غرو فعلم التوحيد خاصة، وعلم أصول الدين عامة أشرف العلوم؛ إذ شرف العلم بشرف المعلوم،* الأمثال لدى جميع الشعوب، مرآة صافية لحياتها، تعكس بكل دقة وجلاء الصورة النقيّة لمعظم عاداتها وتقاليدها وعقائدها ، والحكماء والعلماء والأدباء، لم يزالوا يضربون الأمثال ...
View on Facebook (opens in a new tab)
#أهل الجنة وأهل النار- نؤمن أن هناك جنة أعدت للمتقين ن وناراً اعدت للكافرين- من مات على الإيمان الذي جاءت الرسالة الخاتمة بتفاصيله ، فمصيره في الجنة - واما من مات على الكفر بالله وبرسوله صلى الله عليه وسلم فمصيره في النار خالداً فيها أبداً وهذا كله علمناه من كتاب الله ومن سنة الرسول الخاتم شهادة كتاب الله لذلك، حيث* قال -تعالى- في أهل النار: {أُعِدَّتْ للكافرين}(1) - وقال: {لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (15) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى}(2) - وقال تعالى: {وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (86) لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا}(3) * وقال: {إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى}(4).* ذكرت أكثر من نص علماً أن آية واحدة تكفي العاقل في بناء هذا التصور* وقال جل جلاله في الجنة: {أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ}(5) - وقال تعالى في أهل الجنة: {خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ} [هود: 107] * ومن ذلك أحاديث: " من كان آخر كلامه لا إله إلَاّ الله، دخل الجنة " ، وهي مشهورةٌ، بل متواترةٌ.(1) [البقرة: 24] (2) [الليل: 15 - 16] (3) [مريم: 86 - 87](4) [طه: 48](5) [الحديد: 21] . ...
View on Facebook (opens in a new tab)