الأربعاء 23 جمادى الأولى 1448 هـ - الموافق 4 نوفمبر 2026م

ما حكم سفر المرأة بغير محرم على المذاهب الأربعة

هل يجوز للمرأة السفر –وحدها- في الطائرة، أو في صحبة نساء، خاصة إذا كان البلد قريباً؟

الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذي اصطفى، وبعد:

استعراض ما جاء من نصوص تتعلق بسفر المرأة، وما قرر الفقهاء بهذا الشأن، أجدني أمام ما يلي:

أولاً: لا يحل للمرأة أن تسافر سفراً طويلاً تقصر في مثله الصلاة، إلا مع زوج أو محرم. ثانياً: لا يجب على المرأة حجة الفرض إلا إذا اصطحبت معها زوجها أو محرماً لها، فإن عدما، ووجدت رفقة مأمونة، وجب عليها الخروج معهم، وهذا في حجة الفرض، أو الحج المنذور، عند الشافعية والمالكية. ثالثاً: لا تعتبر في السفر وساطة النقل، أياً ما كانت، والمعتبر المسافة التي تقدر بأربعة بُرد، أو ثمانية وأربعين ميلاً، أو ثمانية وثمانين كيلو متراً، وهذه المسافة سواء قطعت على راحلة أو متن طائرة أو بسيارة، هي المعتبرة. رابعاً: وقفت على من ذهب إلى جواز سفر المرأة دون الزوج أو المحرم أو الصحبة المأمونة بالطائرة، على أن يكون في بلد الوصول من يستقبل المسافرة، وبنى ذلك على أن بيئة الطائرة آمنة، لا يتصور فيها ما يخاف منه على المرأة، وربما استدل على ذلك بحديث الظعينة التي أخبر عنها الرسول –صلى الله عليه وسلم- أنها تأتي من الحيرة (مكان) إلى مكة تطوف بالكعبة لا تخاف إلا الله تعالى.

لا أستريح أمام الأحاديث التي نهت عن سفر المرأة بلا محرم إلى هذا الرأي، خاصة وأن قضية الأمن في محيط الطائرة، والتي بني عليها الرأي ليست الوحيدة في السفر، بل هناك مسألة ما يمكن أن تحتاج إليه المرأة غير الدفاع عنها، كحالة إسعاف طارئ يستدعي حملاً ومساندة ومعاونة ومعاملات يتطلبها السفر مغادرة ووصولاً، والزوج أولى بالقيام بهذا من غيره من ركاب الطائرة أو الباخرة.

خامساً: قضية الضرورة في السفر تنظر بعين الاعتبار، مثل أن تضطر المرأة إليه، ولا يدخل فيه رحلة الصيف استجماماً، أو رؤية الأهل كل عام في أثناء الإجازة، ومع هذا الاضطرار لا تجد من يصحبها من زوج أو ولد يصلح محرماً، لأن الزوج له ظروف تمنعه من السفر، ولا يمكن التغلب عليها، ولا يدخل في هذه القضية تكاليف السفر، كأن تسافر دون زوجها الذي ليس هناك ما يمنع من اصطحابها سوى ثمن التذكرة أو نفقة المكوث في البلد المسافر إليها، فإذا كان المانع مالياً، فلا يسوغ سفرها، بل تؤجل حتى تتيسر النفقة.

إذا اعتمدنا جواز سفر المرأة دون محرم، معللين بموضوع الأمن الذي تشهده وسائط السفر لم يعد هناك إعمال للأحاديث الناهية عن السفر، وكأنها جاءت مقيدة بما يطرأ في السفر من عدوان على المرأة، حيث امتنع العدوان توقفت الأحاديث التي جاءت مطلقة حيث جاءت، ونظر الشريعة أعمق وأشمل وأدق، وقريب من هذا ربط قصر الصلاة أو الإفطار في رمضان للمسافر بالمشقة التي كان السفر عليها عموماً، والحال أن السفر هو العلة لأنها ظاهرة، أما المشقة فغير منضبطة، ولهذا لم تجعل علة للقصر أو لرخصة إفطار المسافر في رمضان.

وبعد هذا أعرض ما جاء من أقوال العلماء فيما يتصل بالأحاديث المتعلقة بسفر المرأة:

في فتاوى الدكتور مصطفى الزرقا –رحمه الله تعالى- ص276 جواب على: هل سفر المرأة بالطائرة –دون محرم- جائز: (سفر المرأة –وحدها- بالطائرة، دون محرم أو زوج، لا مانع منه، وهو ضرورة، إذا كان في مكان وصولها محرم أو زوج، لأن الطائرة لا تقاس على السيارة، ومثلها القطار، فهما (أي الطائرة والقطار) للركوب الجماعي، تحت نظام ورقابة موظفين يحصل معهم الاطمئنان، ما دام يوجد من يستقبلها عند وصولها.

وقد سئل –رحمه الله تعالى-: هل يجوز للمرأة أن تركب مع سائق أجنبي السيارة؟

فأجاب: (مقتضى ظاهر النصوص الفقهية والقواعد أنه لا يجوز للمرأة أن تركب السيارة وحدها مع سائق أجنبي، لكن يبدو لي أن الحالة اليوم تختلف بالنسبة لسيارات الأجرة في داخل البلد، فهي ضرورة لا يستغنى عنها في المواصلات، فأرى أنه لا مانع منها، أما خارج البلد فلا، ما لم يكن معها ركاب آخرون).

وفي الفقه الاسلامي وأدلته، للدكتور الزحيلي(3/35) في موضوع "الحج" نجد أن هناك شروطاً خاصة بالنساء تتعلق بوجوب الحج عليهن، ومنها: أن يكون معها زوجها أو محرم لها، فإن لم يوجد أحدهما لا يجب عليها الحج، وهذا –أي الشرط- متفق عليه، للحديث الشريف: (لا تسافر المرأة ثلاثة إلا ومعها ذو محرم) متفق عليه عن ابن عمر – رضي الله عنهما- وللحديث (لا تحج امرأة إلا ومعها زوجها) رواه الدارقطني وصححه ابن عوانة.

وقد أوجب الشافعية الحج على المرأة -مع نسوة ثقات- لا مع واحدة فقط، وكذا المالكية مع رفقة مأمونة من النساء فقط، أو المجموع –أي رجال ونساء- من الجنسين.

والمحرم من حرم عليه نكاح المرأة على التأبيد بنسب أو رضاع أو مصاهرة، وعليه فزوج الأخت وزوج العمة ليسا محرما لأن حرمة كل منهما ليست التأبيد.

ويلاحظ –هنا- أن الخلاف بين الشافعية والمالكية وبين باقي الفقهاء، محصور في سفر الفريضة، ومنه سفر الحج، ولا يقاس عليه سفر الاختيار بالإجماع، فعن ابن عباس –رضي الله عنهما- قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: "……. ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم، فقام رجل، فقال: يا رسول الله، إن لي امرأتي خرجت حاجة، وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا؟ فقال: انطلق، فحج مع امرأتك" الحديث متفق عليه، واللفظ لمسلم.

قال الباجي: "أما سفرها في التطوع فلا يجوز إلا مع زوج أو محرم" في مواهب الجليل والمنتقى شرح الموطأ.

وألحق المالكية بالحج سفرها الواجب، حيث وجب، فيجوز لها أن تسافر مع الرفقة المأمونة من النساء الثقات في كل سفر يجب عليها.

هذا، ولم يقل الحنفية ولا الحنابلة بجواز سفر المرأة دون محرم إلى الحج كما ذهب المالكية والشافعية.

وقرر الفقهاء متفقين أن على المرأة إذا أسلمت في دار الحرب لزمها الخروج منها إلى دار الإسلام، وإن لم يكن معها ذو محرم، وكذا إذا أسرها الأعداء، وأمكنها الهرب من أسرها هرباً منهم، فلها –في هذا- أن تنطلق مع غير ذي محرم أو دونه، وللحنفية ملحظ دقيق هنا، هو أن خروج المرأة في هذه الحال لا يعتبر سفراً، لأنها لا تقصد مكاناً معيناً، بل مطمحها النجاة خوفاً من الفتنة، فقطعها المسافة – مهما كانت- كقطع السائح، كما قال الكمال بن الهمام.

سادساً: نرى أن الفقهاء اتفقوا ابتداءً على أنه يحرم على المرأة أن تسافر بمفردها، وأنه لا بد من وجود محرم أو زوج معها، وبنوا ذلك على أحاديث منها قوله –صلى الله عليه وسلم-: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة ليس معها محرم" رواه البخاري من حديث أبو هريرة –رضي الله عنه- كذلك حديث ابن عباس –مرفوعاً-: "لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم، ولا يدخل عليها رجل إلا ومعها محرم، فقال رجل: يا رسول الله، إني أريد أن أخرج في جيش كذا وكذا، وامرأتي تريد الحج، فقال: أخرج معها" رواه البخاري.

وقال الفقهاء –كما قدمنا-: ويستثنى من منع سفر المرأة دون زوج أو محرم المهاجرة والأسيرة.

أما حديث الظعينة الذي عرضنا له، ففي البخاري – باب علامات النبوة في الاسلام- عن عدي بن حاتم –رضي الله عنه- ….. وفيه يقول الرسول –صلى الله عليه وسلم-: "فإن طالت بك حياة لترين الظعينة ترحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحداً إلا الله".

قلت فيما بيني وبين نفسي: فأين دعار طيء الذين سعروا البلاد؟!…. ثم قال عديٌ: "فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا الله" ومعنى "سعروا" أوقدوا نار الفتنة، وملأوا الأرض شراً وفساداً، وكانت قبيلة طيء ما بين العراق والحجاز، وكانوا يقطعون الطريق على من مر بهم، ولذا تعجب عديٌ إذ كيف تمر المرأة عليهم وهي غير خائفة.

قال ابن حجر: "فاستدل به بعض الناس على جواز سفر المرأة بغير محرم، ألا ترى أن دعار طيء ما انعدم وجودهم، وأن لسنا بالمستوى الأمني الذي جعله –عليه الصلاة والسلام- مفخرة للإسلام وثمرة لاستقرار الأحكام الشرعية والتزام المجتمع بها.

واستدل العلماء على سفر المرأة السفر اليسير –وهو دون مسافة القصر- بغير محرم، بحديث أسماء بنت أبي بكر –رضي الله عنهما- وفيه قالت: "كنت أنقل النوى من أرض الزبير على رأسي، وهو مني على ثلثي فرسخ.

أما خروج المرأة في حج التطوع، وسفر الزيارة والتجارة، ونحو ذلك من الأسفار التي ليست واجبة، فبعضهم جوز لها الخروج فيها مع نسوة ثقات، كما في حجة الاسلام، لكن الجمهور على أنه لا يجوز إلا مع زوج أو مع محرم، وهذا هو الصحيح للأحاديث الصحيحة.

ويكفي حديث الذي اكتتب في غزوة، وزوجته تريد الحج دليلاً على شرط وجود المحرم أو الزوج في سفر الفرض، إذ لو لم يكن شرطاً لما أمر الرسول زوجها بالسفر معها وتركه الغزو الذي اكتتب فيه.

وختاماً قال النووي: "ليس المراد من التحديد –تحديد السفر بليلة أو يوم أو يومين أو ثلاثة– ظاهره، بل كل ما يسمى سفراً فالمرأة منهية عنه إلا بالمحرم، وإنما دل التحديد على أمر واقع، فلا يعمل بمفهومه. وقد جاء الحديث بإطلاق السفر من التحديد "لا تسافر المرأة……."، وجاء حديث بالتقييد "مسيرة يومين"، وحديث ثالث "بمسيرة يوم وليلة"، ورابع مقيداً بثلاثة أيام، وأكثر العلماء عملوا بالمطلق لاختلاف التقييدات.

ونختم بما بينه الإمام النووي أن المرأة مظنة الطمع فيها، ومظنة الشهوة، ولو كانت كبيرة، وقد قالوا: "لكل ساقطة لاقطة، ويجتمع في الأسفار من سفهاء الناس وسقطهم، من لا يترفع عن فاحشة وغيرها لغلبة شهوته، وقلة دينه ومروءته، ولخيانته.

وعموماً فالشريعة المطهرة حمت المرأة وصانتها ودافعت عنها، وأحاطتها بسياج من الإكرام الذي ربما لا يروق لمن رق دينها معناه، بل ربما قالت القائلة: "لا نريد أن يتعامل مع المرأة على أنها جوهرة نفيسة غالية ومحمية"، نريد الانطلاق كما نريد. وهذا مرده قصر النظر واتباع الهوى، وضحالة خبرة بالنفوس، وتمرد نفس أمارة لا نعدم وجودها.

شارك المحتوى

تابعنا على Facebook

تابع أحدث أخبار ومقالات فضيلة الشيخ عبد الكريم تتان

#الموقف الرباني من القدر* بعد وقوع ما قدر الله ، يؤمن بانه قد قدر ، وأنه لا راد لما قدر ، فإذا كان مما يرفع مثل المرض ، أو الخسارة في تجارة ، أخذ المسلم بأسباب رفعه ، وإلا ترفع كالموت ، فالتسليم له * إذا كان معصية عزم المسلم على التوبة ، ولم يرض بها ، وإذا كان طاعة حمد الله عليها ، وشهد فضل الله عليه بالتوفيق للقيام بها* قال بعض السلف: لو قرض جسمي بالمقاريض كان أحبّ إليّ من أن أقول لشيء قضاه الله: ليته لم يقضه،- قوت القلوب ...
View on Facebook (opens in a new tab)
فضل الله علينا كبير بكل من القرآن والسنة- من يجحد فضل الله كفور ، فإن كان جحده عن علم وإصرار لا عن جهل وغفله فهو " كفار"* من أعظم فضله أن السلف الصالح في القرون الأولى نقلوا لنا سنة نبينا عليه الصلاة والسلام أقواله وأفعاله والتقرير، نقلوها علما وسلوكاً - نقلوها إلينا طرية غضة سليمة محفوظة،* وفيها تفسير كتاب اللَّه* وفيها بيان ما أجمل في كتاب اللَّه* وفيها بيان الأحكام التي جاء بها الوحي الثاني إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وهو الوحي من اللَّه له إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهو السنة المطهرة، فإن اللَّه جل وعلا أعطى نبيه صلى الله عليه وسلم القرآن ومثله معه، كما قال النبي الكريم -عليه الصلاة والسلام-:" ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه" * وللمشروعية الجمع والعلم والنقل ارتحل العلماء إلى الأمصار، واتصلوا بالعلماء في كل قطر؛ - ففي عهد الصحابة سافر بعض الصحابة من المدينة ، لنقل العلم، فقد كانوا رضي الله عنهم - وهم أفضل الناس بعد الأنبياء- ينتقلون من بلاد إلى بلاد، لهذا الهدف النبيل - وربما بلغهم حديث عن صحابي آخر فيسافر أحدهم إليه؛ ليسمع ذلك منه، ولينتفع بذلك، ولينقله إلى غيره من إخوانه في اللَّه التابعين لهم بإحسان.* ثم جاء العلماء بعدهم من التابعين، هكذا فعلوا، ارتحلوا في العلم، وساروا في طلب العلم، وتبصروا في دين اللَّه، وتفقهوا على الصحابة وسألوهم رضي الله عنهم وأرضاهم- عما أشكل عليهم، وعملوا بذلك، ثم نقلوا ذلك إلى من بعدهم من أتباع التابعين رواية ودراية، ثم هكذا أتباع التابعين نقلوه لمن بعدهم، ثم ألفوا كتبا عظيمة في الحديث والتفسير واللغة العربية. . . وغير هذا من أنواع العلوم الشرعية، حتى بصروا الناس، وحتى أرشدوا إلى الطريق السوي، وحتى علموهم القواعد الشرعية التي بها يعرف كتاب اللَّه، وبها تعلم معانيه، وبها تحفظ السنة، وبها تعلم معانيها.وبذلك يحصل العمل بكتاب اللَّه، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم على بصيرة وعلى هدى وعلى نور، فجزاهم اللَّه عن ذلك خيرًا وضاعف لهم الأجور، وضاعف لهم الحسنات، - منقول بتصرف طفيف ...
View on Facebook (opens in a new tab)
#حقيقة لا يجحدها مسلم* تنبيه : على كل مسلم أن يتمسك بالوحيين كليهما (الكتاب والسنة) وليس الكتاب فقط كما يدعو إليه بعض من ضل يقيناً ، والتزم بالتهديم لثوابت الأمة ، لقول النبي -صلى الله عليه وسلم- فيما ثبت في صحيح أبي داوود عن المقدام ابن معد يكرب رضي الله عنه "أَلا وَإِنِّي أُوتيت الْقُرْآن وَمثله مَعَه"- وَجَاء فِي حَدِيث آخر صَحِيح: "لَا أَلفَيْنِ أحدكُم مُتكئا على متكأ يصل إِلَيْهِ عني حَدِيث فَيَقُول: لَا نجد هَذَا الحكم فِي الْقُرْآن، أَلا وَإِنِّي أُوتيت الْقُرْآن وَمثله مَعَه".* بل القرآن يدعو بعشرات النصوص إلى طاعة الله بما أنزل ، وطاعة الرسول فيما يشرع ويبين !! فأنى يصرفون؟!* أجابوا وظفنا من قبل مؤسسات تدميرية أعلنت عن عدائها للإسلام ...
View on Facebook (opens in a new tab)
#مكر أعداء الإسلام يبور- وأد الفتنة في منبتها حماية للأمة ، ونعتمد على التفاسير الموثوقة حرصا على حماية الأمة من السموم التي تبث في الفضاءات تحت عنوان قراءات " مودرن" آخر طبعة ، وممن ؟! ممن رضع من أثداء محاضن تقتات على كراهية الإسلام والعمل على إطفاء نوره!!- كلمة الوجه في التنزيل تأتي بمعانٍ منها " أول" * نزل الوحي يكشف ما تآمر به أعداء الإسلام بقوله -تعالى-: {وَقَالَتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الكتاب آمِنُواْ بالذي أُنْزِلَ عَلَى الذين آمَنُواْ وَجْهَ النهار واكفروا آخِرَهُ} (1)- {وَجْهَ النهار} : أوَّل النَّهارِ- قال قتادة: " {وجه النهار}: اول النهار.- قال الربيع: " {وجه النهار}: أول النهار،* قوله -تعالى-: {آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا} أي: ادخلوا في دينهم على وجه المكر والكيد أول النهار، فإذا كان آخر النهار فاخرجوا منه" .- قال مجاهد: " قال: صلوا معهم الصبح، ولا تصلّوا معهم آخرَ النهار، لعلكم تستزلُّونهم بذلك".* {واكفروا آخره}، يقول: آخر النهار.- وسمَّى أوّل النهار: وجه النهار، لأنه أحسنه، وأوّلُ ما يواجه الناظرَ فيراه منه- قال ربيع بن زياد : مَنْ كَانَ مَسْرُورًا بمَقْتَلِ مَالِكٍ … فَلْيَأْتِ نِسْوَتَنَا بِوَجْهِ نَهَارِ* قوله -تعالى- يميط عن الغاية التي رتبوا مكرهم لها ليحصدوها : {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} أي: "لعلهم يرجعون عن دينهم معكم ويَدَعونه * قال ابن كثير: " هذه مكيدة أرادوها ليلْبسُوا على الضعفاء من الناس أمْر دينهم، وهو أنهم اشْتَوروا بينهم أن يظهروا الإيمان أول النهار ويُصَلّوا مع المسلمين صلاة الصبح، فإذا جاء آخر النهار ارتدوا إلى دينهم ليقول الجهلة من الناس: إنما رَدّهم إلى دينهم اطّلاعهُم على نقيصة وعيب في دين المسلمين".- قال ابن عباس: " لعلهم ينقلبون عن دينهم .- قال السدي: " لعلهم يشكّون.- قال مجاهد: "لعلهم يرجعون عن دينهم .- قتادة: لعلهم يدَعون دينهم، ويرجعون إلى الذي أنتم عليه.- قال مقاتل بن سليمان : لكي يرجعوا عن دينهم إلى دينكم (1) [آل عمران: 72] ...
View on Facebook (opens in a new tab)
#خطر الردة على المجتمع مدمّر- هذه الهمسة في سمع من له عقل سليم وانتماء للأمة صادق ، وليست لإثارة جدل يزيد الطين بِلة* من المسلمات أن المجتمع المسلم هو من آمن بما جاء به الرسول الخاتم عن الله : ومنه أركان الإيمان وأركان الإسلام ، وما علم من الدين بالضرورة من الحلال والحرام والأخلاق * يشترك كل أفراد المجتمع من رجال ونساء في القاسم المشترك في هذه كلها ، وإن تفاوتوا بدرجات الرسوخ فيها* إن إنكار معلوم من الدين بالضرورة أجمعت الأمة عليه كالإجماع على تحريم الزنى والربا والخيانة والسرقة يخرج المُنكِر عن الإيمان * فرق بين من ينكر سراً وبين من يعلن عن إنكاره:- فالأول: يترك أمره - الذي لا يعلمه إلا الله- إلى الله- والثاني الذي خرج عن إجماع الأمة وبدأ يدعو إلى الخروج عليها ، فهذا خطره جسيم ، ولا بد للمجتمع من الوقوف في وجهه ، فهو مثل وباء مدمّر للمجتمع في تصوره ، وسلوكه ، ولو ترك لعمَّ بلاؤه المجتمع كله!* من ينكر على المجتمع إنكاره للخطر الكاسح الذي يهدد دينه ، فهو شريك مع المرتد في الوباء* لخطورة مثل هذا الوباء نزل الوحي بآية من أوضح الواضحات تبصر بشرِّه المستطير وتحذر منه المسلمون ، قال -تعالى- : {وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (72)} - سورة آل عمران- ثلة شريرة أرادت تهديم الغيمان في قلوب من آمن ، فاتفقت على إظهار أنهم مسلمون!- اتفقوا على أن يكون الإظهار فترة محددة : إيمان وجه النهار، وكفر عند آخرهالعلة اتفق عليها بينهم ، ولم تترك للتخمين ن هي لما دخلوا فرح بهم المسلمون ، وهم أهل خبرة ، ومفكرون ، ويعرفون الصواب ، وإذا ما أعلنوا كفرهم يحدث زلزال في المجتمع المسلم ن ويلغط الناس ، ويتقاولون في ما بينهم ك لو لا انهم رأوا أن الإسلام على باطل لما تركوه ، فيؤدي هذا إلى ردة جماعية!** فهل هناك عاقل بعد هذا الأثر الذي فضحه التنزيل قبل حدوثه يقف مكتوف اللسان امام خطر الردة وأنها تدمير للمجتمع * قال العلماء: والآية وإن قيل: إنها نزلت في بعض اليهود؛ إلا أن العبرة بعموم اللفظ وهو هنا ...
View on Facebook (opens in a new tab)