الخميس 24 جمادى الأولى 1448 هـ - الموافق 5 نوفمبر 2026م

تفسير قوله عز وجل (ذلك أدنى أن يُعرفن فلا يؤذين)…

نرجوا أن تعطونا إضاءة حول معنى قوله عز وجل (ذلك أدنى أن يُعرفنّ فلا يؤذينّ ) ‏[‏الأحزاب‏:‏ 59‏]‏‏.

بسم اللــــه الرحمن الرحيــم

الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى…..وبعد

قوله – تعالى -: ( ذلك أدنى أن يُعرفنّ فلا يؤذينّ) جاء في سياق أمر الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم أن يأمر أزواجه – وبناته ونساء المؤمنين – بإدناء الجلابيب عليهن …

إدناء الجلابيب :

الجلباب : الملاءة أو العباءة تكون فوق الدرع السابغ الطويل ، فهو ثوب يستر جميع البدن تلبسه المرأة فوق ثيابها ، وعماد أقوال العلماء في الجلباب مع اختلافها هو أنه الثوب الذي يستر به البدن .

يدنين : يرخين على وجوههم الجلباب حتى ما يبدو من المرأة إلا عين واحدة تنظر بها الطريق إذا خرجت لحاجة ، فالإدناء تغطية الرأس من فوق خمارها ..

كان النساء في المدينة لا يخرجن لقضاء الحاجة إلا ليلاً ، وقد أمرن بلبس الجلباب في كل خروج ليعرفن ، وهذا من باب سد الذريعة .

لبس الجلباب من شعائر الحرائر، فالإماء لا يلبسن الجلابيب ، فجعل الستر فرقا به يعرف الحرائر من الإماء .

الخروج دافعه أنه لم يكن لهن مراحيض في البيوت .

الإيذاء من الفساق كان بصورة التحرش الكلامي والغمز والكلمة السفيهة وهم يقصدون على عادتهم الإماء لا الحرائر .

كان عمر –رضي الله عنه- مدة خلافته يتابع أمر ألا تتشبه الأمة بالحرة ، ويخفق بالدرة من يراها أمة قد تقنعت ، وهذا من السياسة الشرعية ، ثم زال هذا بعده .

وقد كان فعل عمر كان من السياسة الشرعية ، وفيه زجر لأنه كان يخشى من التشبه بالحرائر في اللباس والزي أن يعتدن الرقة ويضعفن عن الخدمة والعمل وتكثر مؤنهن على سادتهن ، وأمر تبذل المرأة في لباسها حين الخدمة معروف واضح .

عن أم سلمة –رضي الله عنها- لما نزلت هذه الآية :"يدنين …" خرج نساء من الأنصار كأن على رؤوسهن الغربان من أكسية سود يلبسنها .

وقد ذكر المفسرون سبب نزول الآية من سورة "الأحزاب" أن نساء أهل المدينة كن يخرجن بالليل لقضاء حاجتهن خارج البيوت ، وكان بالمدينة بعض الفساق يتعرضون للإماء ، ولا يتعرضون للحرائر ، وكان بعض النساء يخرجن بزي لا يتميز عن زي الإماء، فيتعرض لهن أولئك الفساق بالأذى ظنا منهم أنهن إماء ، فأمر الله نبيه –صلى الله عليه وسلم- أن يأمر أزواجه وبناته ونساء المؤمنين أن يتميزن في زيهن عن زي الإماء ، وذلك بأن يدنين عليهن من جلابيبهن ، فإذا فعلن ذلك ، ورآهن الفساق علموا أنهن حرائر ومعرفتهم بأنهن حرائر ، لا إماء ، وهو معنى "ذلك أدنى أن يعرفن" فهي معرفة بالصفة "التي دل عليها إدناء الجلباب" لا بالشخص .

وأنت خبير أن في هذا المسلك تحجيم لشر الأشرار بهذا الأسلوب ، بناء على أن الحرة لها من ينصرها ، ويخشاه من سولت له نفسه شرا تجاهها …

وبدهي أن الحرائر أكثر بكثير من الإماء .

ولك أن تقف على ما يكون ممن يعتدي على موظف حكومي ، فإن الاعتداء أشد ، ولا يعني هذا إباحة الاعتداء على من سواه ممن ليس موظفا ، فلباس الموظف لما يشعر أنه منسوب للحكومة يرهب النفس التي تتطلع إلى إيقاع الأذى به ، ومن المعروف أن الاعتداء على الشرطي أشد من الاعتداء على غيره ، فهذا كما ترى من باب تقليم أظافر الشر، حيث تحجم عن الامتداد إلى ما يقتلعها ، ولد يسوغ لها أن تمتد إلى غيرها أي : إلى الإماء بنص آخرغير هذا النص …

ثم قضية معالجة الشريعة لأمراض اجتماعية من أدق القضايا التي سلكها التشريع فنجح أروع نجاح ، وما أمر تحريم الخمر بمراحله بالمجهول .

وبدهي أيضا أنه ليس المراد منه أن تعرض الفساق للإماء جائز بل هو حرام أيضا ، ذلك أن المتعرضين لهن هم ممن في قلوبهم مرض ، وأنهم يدخلون في عموم من أنذرهم الله تعالى بقوله :"لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم …" إلى "وقتلوا تقتيلا" .

أيفهم مما سبق أن الشريعة قد أهملت أمر الإماء ولم تعتن بما ينالهن من الإيذاء من قبل ضعاف الإيمان مع أن في ذلك من الفتنة ما فيه ، فهلا كان التصون والتستر عاما في جميع النساء ، إن الإشكال يطرأ من سياق الآية الأولى ، حيث يعمل فيه بمفهوم المخالفة ، وفيه أنه إن خصصنا الحرائر فكأنا أبحنا الإماء ، وحكمهن المخالفة هنا لا يسري إذ النهي عن الإماء والتعرض لهن ثبت بنصوص كثيرة اخرى ، وهذا راجع إلى توظيف الشريعة وهي بصدد بناء المجتمع النظيف ، الأعراف السائدة ، ولا يخفى ما جاء في الربا من النهي عن أكله أضعافا مضاعفة أنه لا يسري عليه أيضا مفهوم المخالفة ، فلا يقال يجوز الربا القليل!!!!!..

وعليه فدفع ضر الفساق عن الإماء لازم ، وله أسباب أخرى ليس منها إدناء الجلابيب ، فصار دفع الأذى عن كل من الحرائر والإماء بنصوص مختلفة.

وقضية الإدناء اقتصرت على الحرائر لأن الإماء بطبيعة عملهن يكثرن الخروج والتردد في الأسواق لقضاء حاجات البيوت ، وتكليفهن بلبس الجلباب السابغ كلما خرجن فيه حرج ومشقة ، بخلاف الحرائر فإنهن مأمورات بعدم الخروج إلا لمصلحة ، وقد نهى كتاب الله عن إيذاء المؤمنين والمؤمنات جميعا ، سواء منهن الحرائر والإماء ، وتوعد المؤذين لهن بالعذاب المهين . وهذا من ترتيب أوضاع الشريعة البين .

قال العلماء :"كثرة التردد في الأسواق ومحال البياعات في خدمة سادتهن وقضاء مصالحهم ، فإذا كلفن أن يلبسن الجلباب السابغ كلما خرجن كان فيه حرج ومشقة ، ولقد راعى الشارع الحكيم هذه الحال ، فنهى الناس بعامة عن أن يؤذوا المؤمنين والمؤمنات جميعا ، سواء الحرائر والإماء . وتوعد من يؤذي بعذاب أليم" ولذا قال المفسرون : نزلت الآية بعد أن استقر أمر الشريعة على وجوب ستر العورة ، فيكون الستر –هنا- المكرر به زائدا على ما يجب من ستر العورة ، إذ الجلباب كما بينت هو ثوب سابغ فوق الثياب الساترة ، كالملاءة المعروفة في عصرنا …وأسوق ختاما ما جاء عن أبي حبان الأندلسي من أنه اختار وجها غير الذي سلكه جمهور المفسرين ، واعتبر الأمر بإدناء الجلباب موجها إلى النساء بعامة الحرائر والإماء ، واعتبر قوله تعالى :"أن يعرفن" أي بالعفة والتصون ، لا بكونها حرة أو أمة ، فلا يتعرض لهن على سواء ، ذلك أنه إذا بالغت المرأة في التستر والتعفف قطعت طمع اهل الفساد ، وقد علق أحد العلماء المعاصرين على ذلك بقوله :"وهو رأي تبدو عليه مخائل الجودة"…

أرجو أن أكون قد وضحت شيئا عن السؤال المطروح .

شارك المحتوى

تابعنا على Facebook

تابع أحدث أخبار ومقالات فضيلة الشيخ عبد الكريم تتان

#الخشية من الله ثمرة العلم الناضجة- يقول الإمام ابن القيّم - رحمه الله - :- ‏ " طلب العلم من أفضل الحسنات " - قد رُوي عن عُمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: إنَّ الرجل لَيَخْرُج مِنْ منْزله وعليه من الذنوب مثل جبال تِهامة ، فإذا سمع العلم ، خاف ورجع وتاب ، فانصرف إلى منْزله وليس عليه ذنبٌ ، فلا تفارقوا مجالسَ العلماء - مفتاح دار السعادة 77/1 ...
View on Facebook (opens in a new tab)
#تحديد العلة قبل المعالجة!* أنحنُ في زمن حذّر مما يقع فيه المبعوثُ رحمة للعالمين ؟ ! - أهناك منا من تطابق حاله النفسي ، والسلوكي ، مع أعداء الله ، وهو يظن أنه من الأولياء الخُلص ! - ألا يجدر بالعاقل أن يفتش- دائما- في نفسه عن السلبيات التي حذر منها الناصح الأمين ! - قال عَنْ سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - :" اللَّهُمَّ لَا يُدْرِكنِي زَمَانٌ ، وَلَا أُدْرِكُهُ ، لَا يُتَّبَعُ فِيهِ الْعَالِمُ ، وَلَا يُسْتَحْيَى فِيهِ مِنَ الْحَلِيمِ ، قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الْعَجَمِ ، وَأَلْسِنَتُهُمْ أَلْسِنَةُ الْعَرَبِ" تذكير بالعمرية السامقة! - شاهت وجوه أغاروا بشقائهم على أنقى الناس بعد النبوة ، وأعملوا ألسنتهم الحداد في أعراض طاهرة ! - تهتاج أحقاد هؤلاء في مناسبات صنعوها ، يستحضرون فيها معبود أجدادهم " النار " فتلفح أكبادهم لفحا ، به تزرب أفواههم بقيح ، وصديد !- في الجزء الأول من ديوان الشاعر العملاق حافظ إبراهيم - رحمه الله تعالى - قصيدته " العمرية " بلغت أبياتها مئة وثمانبة وثمانين بيتا ، كلها في الخليفة الراشد عمر أبو حفص - رضي الله عنه – رصد فيها ما أمكنه من محاسن رجل خدم بأمانة ، وهمة شماء دين الأمة الإسلام ، وقام بأعظم الأعمال، وحطم الله على يديه ، في زمن خلافته ، دولة الطغيان التي استعبدت ناسها ، وربتهم على عبادة النار ، فاحرق الله وجوه من أساء للفاروق من هؤلاء الذين حررهم الله أسلافهم من عبادة مخلوق ، ودعاهم إلى عبادة الله وحده ! - ومما جاء فيها قوله في ابن الخطاب أحد وزيري المختار :فمن يباري أبا حفص وسيرتَهُ * أو مَنْ يُحاول للفاروق تشبيها ...
View on Facebook (opens in a new tab)
#ضخ السام من قنوات لئام* رصد لما يضخ " فينا " كل لحظة عبر كثير من القنوات ، وجولة سريعة معها في مناقعها ، للمراجعة الواعية! - قناة تصور غارقا في الغرام ، مختنقا بالأحلام ، قد اكتنفته شهوات الدنيا من كل جانب! - وقناة تقطر شاشتها من دماء الأبرياء ، وتتناثر على حوافها أشلاء لطفل ، وعجوز ، وامرأة ! - وقناة تهندم من غطى شاشتها يعمل معوله في كتب التراث تهشيما فيها ، وتشكيكا في نجاعة عطائها ، يسعى مثل " أفعى كُبرى " لفصل الجيل عن مصادر الأمة ، وهويتها عبر القرون ، ويضع لافتة كتب عليها " تنقيح التراث " ولو قال " تقبيحه " لأشوى! - وقناة يتصدر فيها على أنه " محلل " من يسعى إلى تفتيت الأمة ، وتزوير حقائق الواقع ، ينصر الباطل ، ويهشم الحق ! - ولا نعدم قناة جادة ، تسعى إلى البناء ، والترميم ، والإسعاف ، والتسديد ، تحاول أن تمسح الكآبة التي تلخلق من كثير من مشاهد الحياة! ...
View on Facebook (opens in a new tab)
#شهود تعلق القدرة الحادث -للقدرة تعلقان : تعلق صلوحي قديم ، وتعلق تنجيزي حادث ، وأصحاب القلوب الصافية المفعمة بالإيمان تظل مشرئبة إلى شهود العطاء الرباني ! بملاحظة التعلق الحادث- عَنْ أَنَسٍ قَالَ: أَصَابَنَا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَطَرٌ، فَحَسَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَوْبَهُ عَنْهُ حَتَّى أَصَابَهُ الْمَطَرُ، قُلْنَا: لِمَ فَعَلْتَ؟ قَالَ: " لِأَنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّهِ " - الحديث صحيح ...
View on Facebook (opens in a new tab)
#تتابع الأعياد على مر الزمان - قال الحسن: كل يوم لا تعصي الله فهو لك عيد- يوم تسمع من الملك : فلان بن فلان سعد - يوم تجوز عن الصراط ، وتزحزح عن النار - يوم تسمع : يا أهل الجنة خلود ...
View on Facebook (opens in a new tab)